محمد علي محيي الدين
في ثامن آب من عام 1959، وُلد نصير علي الحسيني في بابل، مدينة الأسرار الأولى، وسيدة الطين والنقوش، كأنها أهدته منذ البدء سرَّ المعمار وشهوة الكتابة معًا. لم يكن ابنًا لعائلة فحسب، بل كان ابنًا لمكانٍ يروي القصص حتى في صمته. وهناك، بين جدران المدارس الأولى، بدأت الملامح تتشكل: فضول لا يهدأ، وولعٌ بالبنية، سواء أكانت حجرًا أم فكرة.

شدّ الرحال إلى الاتحاد السوفيتي السابق، وهناك، في ظلال موسكو الباردة، نال شهادة الدكتوراه في الهندسة المعمارية عام 1987، عن أطروحة حملت عنوانًا دالًا: “نظرية العمارة وترميم وإحياء الآثار”. لم تكن الدراسة غايةً في ذاتها، بل كانت مدخلًا لحوار طويل بينه وبين الزمن، بينه وبين أطلال المدن، وأسرار الأبنية، وذاكرة الحجارة.
غير أن نصير الحسيني لم يكن معمارًا بالمعنى التقليدي، فقد كانت الكلمات طينته الأخرى. منذ عام 1988، حين كتب مقاله الأول في جريدة الجمهورية، راح يشيد أبنية من المعنى، يرمم ما صدعته السنوات من ذائقة، ويحيي في القارئ حنينه إلى النص النظيف، المحكم، العابر للوظيفة.
ما بين العمارة والأدب:
كان الحسيني يرى العمارة سردًا صامتًا، ويرى الأدب بناءً ناطقًا، وقد جمع بينهما في مقالاته وكتبه العديدة التي توزعت بين الفكر المعماري، والدراسات النقدية، والترجمة، والرواية، والحوارات، وحتى الشعر. فحين أصدر كتابه “العمارة في مدينة الحلة” عام 2011، لم يكن يرسم خطوطًا هندسية فحسب، بل يعيد للمدينة صورتها الوجدانية، يعيد تشكيل انفعالاتها، كما لو كان يرسم بيده قلبها المفقود.
ثم جاءت مؤلفاته مثل “العمارة ما بعد العولمة” و”تطور الفكر المعماري وأسس التصميم” لتؤسس له مكانًا مرموقًا في حقل البحث المعماري العربي. غير أن انحيازه للثقافة لم يتركه أبدًا، فكتب عن الشعراء، وحقق أعمالهم، وترجم قصص الشعوب، فصدر له كتاب “بوشكين، عربي القيصر”، و”حكايات بيلاروسية” بثلاثة أجزاء، فضلًا عن أعماله السردية كـ “ذكريات على شواطئ البحر الأسود”، و”الشاعر المفقود”، و”سلسال الكلام”، وكلها نصوص تعكس تداخله المعرفي وحنينه المزمن إلى الزمن الجميل.
آراء النقاد فيه:
قال عنه الباحث نبيل عبد الأمير الربيعي في كتابه التوثيقي: “نصير الحسيني ليس فقط معماريًّا أو كاتبًا أو مترجمًا، بل هو مشروع ثقافي قائم بذاته. يجمع بين عين الفنان ودقّة الباحث، وبين شغف العاشق وصرامة المهندس. لا يُمكن تصنيفه ضمن حدود واحدة، لأن الحبر فيه لا يعرف التخصّص الضيق.”
أما الكاتب محمد علي محي الدين، فأشار إلى أن نصير “ينتمي إلى جيل آمن بأن الثقافة فعلُ مقاومة، لا ترفٌ نخبوي. لذلك ظلّ يكتب من بابل لا عنها، ويمشي في شوارعها حاملًا أرشيفها لا سيرته.”
ووصفه الشاعر شكر حاجم الصالحي بأنه: “رجل الكلمات المتأنية، لا يكتب إلا حين تكتمل القناعة، ولا ينشر إلا بعد أن يُدقق النص كما يُدقّق المهندسُ في رسمه. لذلك فإن كتابته دائمًا ذات مستوى احترافيّ لا يُخلف الموعد.”
بينما يرى الباحث عبد الرضا عوض أن الحسيني يمثّل حلقة نادرة بين العلميّ والأدبيّ: “كأنك تقرأ في كتبه بناءً يُضاء من الداخل، فيه علمٌ رصين، لكن بروح شاعرة.”
تكريم وجذور راسخة:
حصل نصير الحسيني على درع الجواهري ودرع الإبداع والتميّز، وكرّم في أكثر من مهرجان، أبرزها مهرجان تمصير الحلة بنسختيه الثامنة والتاسعة. لم يكن تكريمه مجاملة بل استحقاقًا، فهو جزء من الذاكرة الثقافية للمدينة، ومن المشهد العراقي الأوسع.
وهو عضو فاعل في اتحادات أدبية وهندسية وتجارية عدة، يجيد الإصغاء للعوالم المتعددة، ويتنقل بينها بوعيٍ لا يخون، وهمة لا تخفت.
نصير الحسيني… سيرة متوهجة
في زمن الكتابة المستعجلة، يقف نصير الحسيني كمن يصغي لصوت بعيد: صوت الزمن، وصوت الجذور. هو الكاتب الذي لم ينسَ أن الأفكار تُبنى كما تُبنى المدن، وأن المعمار لا يقوم دون حلم، ولا النص يُولد من فراغ.
في مؤلفاته دفء بابل، وصرامة موسكو، وحكمة الأمكنة، ورحابة الترجمة، وحذر المهندس، وشفافية الحالم.
إنه نصير لكل ما هو جميل، وكل ما يستحق أن يُكتب، وأن يُبنى.