الشاعر يقظان الحسيني شاعر المهجر والذاكرة المستفيقة

محمد علي محيي الدين

حين تنصتُ للكلمات التي يخطها الشاعر يقظان الحسيني، تشعر أن المهجر لم يكن منفى بقدر ما كان مرآة عاكسة لصوت داخلي ظل ينمو بهدوء، ويزداد صفاءً كلما ابتعد عن الضجيج. هو شاعرٌ جاء من الحلة، المدينة التي تصقل أبنائها بنار الحنين ونور الفرات، فأخذ من تربتها نضج التجربة، ومن أفقها اتساع الرؤية، ومن أزقتها سكون التأمل.

وُلد الحسيني في الرابع عشر من تموز عام 1959، وبدأ مسيرته العلمية في الهندسة، لكن الشعر ظل يراوده حتى غلبه، فكان مثل من يحمل قلب شاعر بين أسلاك الكهرباء، يضبط توازن الضوء دون أن يطفئ لهيب العاطفة. أكمل دراسته في جامعة بغداد، ثم شدّ رحاله إلى كندا مرورًا بليبيا وقطر، وهناك – في أقاصي الأرض – أخذ ينحت في الذاكرة ويكتب عن الأرض التي لا تغيب.
بدايته مع النشر جاءت مع مطلع التسعينات، وفيها تتلمس هدوء البدايات المتأملة، ثم اندفع شعره عبر مجلات وصحف ومواقع متعددة: من ألواح في مدريد إلى السلام الدولية في السويد، ومن المثقف إلى همس الحوار، مرورًا بـجريدة أوروك، فكان كمن يوزع شتاته على الخريطة كي لا تضيع ذاته.

لم يكن شعر يقظان الحسيني مجرد حنين غريب، بل كان سعيًا حثيثًا نحو استعادة الغمام الذي يليق بسماء الشعراء. خمس مجموعات شعرية تشهد على هذا المسار:
“ذاكرة الفصول” بثلاث لغات، “ألوّح بقلب أبيض” كنداء شفيف من خلف زجاج المنفى، “أساور من أسى” كقلادة حزينة حول عنق القصيدة، “شاهداً أردت أن أكون” حيث تتجلى الرغبة في التوثيق والبوح، “كي أستردَّ الغمام”، وهي ذروة ناضجة في مشروعه الشعري، تحتفي بإرادة العودة الرمزية لا الجغرافية.
ترجمت نصوصه إلى الإنجليزية والإسبانية والإيطالية، وتداولته المختارات والأنطولوجيات، وكأن صوته يهمس في لغات العالم، غير نادم على مسافات النفي، بل مستثمرًا جمالية المسافة بين القلب والمفردة.

نقد وحفاوة
القراءة النقدية لتجربة الحسيني تؤكد فرادته. كتب عنه مسلم حسب حسين، فمهّد لمجموعته الأولى بمقدمة بصيرة، وكأنها اعتراف مبكر بميلاد شاعر مختلف. ودرسته د. سهير أبو جلود في كتابها “عتبات نقدية”، وجعلت له عتبة خاصة تعبّر عن رمزية الشاعر المتأمل. أما داوود سلمان محمد فغاص في ومضاته الشعرية، فيما قرأ عبد الستار نور علي مجموعته “شاهداً أردت أن أكون” بإعجاب ظاهر.

في مقالات متعددة، رسم النقاد صورة متكاملة للشاعر: خالد جواد شبيل رآه شاهدًا على جراح المنفى، جميلة مسلماني التقطت شفافيته ونقائه، محمد العميدي توقف عند ديناميكية نصوصه، كريم ناصر تأمل أستطيقيا الحواس في شعره، شكر حاجم الصالحي لامس نبرته الإنسانية، جمعة عبد الله ود. أسماء سنجاري ود. مروة العميدي وعلاء حامد… كل هؤلاء مرّوا بتجربته كما يمر القارئ على نهرٍ لا يريد مغادرته.

ما يميز يقظان الحسيني
يقظان الحسيني ليس شاعر وجعٍ صاخب، بل شاعر حنين هادئ. لغته منتقاة بعناية، رؤاه تسبح بين الغياب والحضور، وموسيقاه تلتقطها الأذن لا بالطنين بل بالصدى. قصائده أقرب إلى مشاهد سينمائية قصيرة، تحتشد بالرمز واللطف، وتبتعد عن الادعاء. يكتب من منطقة التأمل لا الاستعراض، ويصوغ القصيدة كما يصوغ المهندس مسارات الضوء.
هو ابن العراق، لكن صوته عبر البحار حتى صار عراقيًا-كنديًا في آن. حمل وطنه في القلب، لا في الجواز. وإن هاجر الجسد، بقي الشعر متجذرًا في تربة الجنوب، يروي فسائل الروح حيثما وجدت.
في تجربة يقظان الحسيني يتجسد الشعر كفعل مقاومة ناعمة، وكوسيلة لصياغة الذات من جديد، لا عبر السياسة أو الانتماء، بل عبر الجمال الخالص. في زمن الضجيج، هو من القلة الذين اختاروا الهامش ليصيروا جوهرًا، وأثبتوا أن الشاعر الحقيقي لا يحتاج جمهورًا صاخبًا، بل قارئًا واحدًا يتنفس المعنى بعمق.
هو شاعرٌ لا يلهث خلف الضوء، بل يصنعه من الكلمات.

قد يعجبك ايضا