عباس العجيلي… شاعرٌ من رماد الأمنيات ولهيب الروح

محمد علي محيي الدين

في قلب العراق، في ناحية الإمام التابعة لقضاء المحاويل من محافظة بابل، حيث تموج الحقول بموسيقى الغروب وتهمس التربة بأسرار الزمن، وُلد الشاعر عباس كاظم عبود مطلك العجيلي، لينهل من جمال الطبيعة وصخب الحياة مادة أولى لقصيدته. هناك، بين ضجيج الواقع وصمت التأمل، تفتحت عيناه على الشعر، لا كترف بل كضرورة، كنافذة إلى معنى أبعد، وكصوت للوجع النبيل الذي لا يحتمله الصمت.

منذ نعومة أظفاره، كان عباس العجيلي يتقدم إلى المنصات المدرسية لا ليلقي كلمات محفوظة، بل ليفجر ينبوعًا صغيرًا من المعاني. وحين التحق بكلية التربية – قسم اللغة العربية في جامعة بابل، كان ذلك بمثابة دخول إلى مرآة اللغة من بابها العميق، هناك حيث تُنقّب المعاني وتُصقل الذائقة.

كتب العجيلي الشعر كما يكتب من يخلّص ذاته من الاختناق. تنقّل بين المجالس الثقافية، من بابل إلى المحافظات، يقرأ، وينصت، ويصغي للداخل كما يصغي للناس. فكان صوتًا ضمن الأصوات الشعرية التي ما تزال تؤمن بأن القصيدة قادرة على أن تبني جسورًا في زمن القطيعة.

أصدر أربع مجاميع شعرية تشكل بمجموعها خريطة شعورية مضطربة، لكنها مشعة:
“عواصف وجحيم”: ديوان يشبه الغبار في أول الإعصار، فيه رجّة أولى للروح.
“أنين في طرقات صاخبة”: تأمل حاد في ضجيج المدينة والداخل، محاولة لالتقاط الألم في زحام الواقع.
“جنان الجنان”: سفرٌ روحي يحاول انتزاع المعنى من صمت الغيب.
“رماد الأمنيات”: اعتراف شعري شفيف بأن ما نحلم به قد لا يتحقق، لكنه يظل جديرًا بأن يُقال.
أما عن لغته، فهي في ظاهرها جزلة، لكنها مشبعة بندى الوجد، حارّة بوهج الانفعال، تتقاطع فيها الحسية بالصوفية، وتتقاطع الصورة المباشرة برمزية مضمرة، وهو ما جعل النقّاد يقرأونه من أكثر من زاوية.

يقول الكاتب والناقد الدكتور غالب المسعودي في قراءته لتجربة العجيلي الشعرية:
“من قراءة أولية لتجربة الشاعر في هذين الديوانين نجد أنها تجربة مختزنة وذات محور متجذر في التجربة العراقية بعد الغزو، بعد أن انقشع الغبار عن الطروحات البراقة لمروّجي البراءة. إذ أن للشاعر عراقته ومعرفيته وحلمه وبراءته… على الرغم من أن شاعرنا هو صندوق من العذاب إلا أنه لا يخلو من صراع، فكل صورة يأتينا بها الشاعر يتحقق نصر بأفعال متشعبة…”
وهذا الصراع، كما يرى الدكتور المسعودي، لا يكتفي بأن يكون تعبيرًا عن الألم، بل يسعى إلى تحويل الصحراء إلى عشب، والخراب إلى نظام شعري باراميتافيزيقي، يسنه العجيلي بلغة كهنوتية مضمخة، كأنها كتبت لجنس أكثر طهرًا ومرونة من البشر العاديين.

كما أشار الناقد إلى تأثر العجيلي بشعر المقاومة الفلسطينية، وبخاصة تجربة سميح القاسم، إلى جانب إرهاصات الشعر العراقي الحديث التي فجّرها بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، مما يضع العجيلي في تقاطع روحي مع شعراء حملوا همّ الأمة والإنسان في آن.
لقد كان للشاعر حضوره الثقافي في اتحاد أدباء وكتاب بابل، وجمعية الرواد الثقافية المستقلة، ومنتدى المحاويل الثقافي، حيث لم ينعزل عن محيطه، بل حمل قصيدته إلى الناس، وخاض معها غمار المهرجانات والقراءات والحوارات، متحديًا العزلة التي كثيرًا ما تستدرج الشاعر إلى قوقعته.

خاتمة:
الشاعر عباس العجيلي لا يكتب من رفاهية اللغة، بل من احتراق الداخل، من قلق متواصل على الإنسان، ومن رغبة في أن يكون الشعر مساحة خلاص. قصيدته مرآة لروح مثقلة، لكنها ما تزال تقاوم، تتنفس، وتجرؤ على الحلم. في زمن تخلّى فيه كثيرون عن الكلمة، ظل العجيلي واقفًا في صفّ الشعر، يحرسه من الذبول، ويمده من دمه ووجدانه، ليبقى الشعر ـ كما أراده ـ نافذة تطلّ على المستحيل، وسلاحًا ضد الخواء.
من شعره هذه المقطوعة الجميلة:
يا امّةً بَرَكَتْ مِن بعْد نهضتها
حتّى لَبانَ على اعْضائها الجّرَبُ
هذي وتلك شعوب الارض قاطبةً
امْسى يُسيّرها الافْذاذ و النُّخَب
والعُرْب مابرِحتْ يعْدو بها جَمَلٌ
يبْكي على جانبيْه الماس والذّهب
مابالكم قد بَدَتْ للخَلْق عوْرتُكم
فلْتخْجلوا مرّة يا ايُّها العَرَب

قد يعجبك ايضا