محمد علي محيي الدين
في قلب النخيل البصري، وتحديدًا في قضاء الهارثة، ولد لفته عبد النبي الخزرجي في اليوم الأول من تموز عام 1943. هناك، على ضفاف شط العرب، تفتّحت أولى براعم روحه العاشقة للكلمة، وتشرّب من ماء الجنوب موسيقى الحياة وصخب الأسئلة الأولى. ومنذ أن كان طالبًا، ظهرت ملامح شغفه بالحرف، فراح ينهل من الكتب والمجلات ويتتبّع أخبار الأدب والأدباء، لا ليقرأهم فحسب، بل ليصغي إلى نبض تجاربهم ويشاركهم نبضه الوليد.

أكمل دراسته الإعدادية في العام الدراسي 1965-1966، وعمل موظفًا في دوائر الدولة حتى إحالته إلى التقاعد عام 1995، لكن روحه لم تعرف التقاعد قط. فعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في بداية ثمانينات القرن الماضي، انتقل إلى مدينة الحلة، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، أكثر غنى وامتلاءً. وجد في بابل – مدينة السحر والتاريخ – فضاءً يتسع لصوته، ففتح قلبه للمشهد الثقافي وتفاعل مع رموزه بحماسة الشاب المؤمن برسالة الأدب.
لم يكن الخزرجي شاعرًا فحسب، بل كان رجل مشروع ثقافي وإنساني. انخرط في الاتحاد العام للشعراء الشعبيين وانتُخب عضوًا في الهيئة الإدارية لفرع بابل، غير أن غياب قانون ينظم عمل الاتحادات لم يثنه، فبادر مع زميليه الشاعرين حامد كعيد الجبوري ومحمد علي محيي الدين إلى تأسيس “جمعية البيت العراقي للشعر الشعبي”، فكانت مركزًا يلتقي فيه محبو الشعر الشعبي وتتلاقح فيه التجارب، واتسعت فروعها لتشمل محافظات عدة، وظل سكرتيرًا لها، نبضه حاضر في كل مفصل من مفاصلها.
امتدت اهتماماته لتشمل الموروث والأنساب، فكان مستشارًا للرابطة العراقية للتاريخ وتوثيق علم الأنساب، ورئيسًا للجمعية العراقية للمتقاعدين، وناشطًا في المحافل الثقافية والمهرجانات الشعرية، حيث ألقى محاضرات وأدار جلسات وأثْرى النقاشات بمخزون واسع وتجربة ناضجة.
أما في الشعر، فقد أصدر ستة دواوين، تنوعت بين الشعبي والفصيح، منها:
دموع الحديثات (2008)- فخاتي وهيل (2012)- بخور بابل (2015)- وشلة عمر (2021)- صهيل الحرف (2022، بالفصحى)- إشراقات بابلية (2023).
وفي دواوينه، كما في حياته، تظهر عينه المتشبثة بالتاريخ، وهمّه الإنساني، وحزنه الشفيف. يُعنى الخزرجي بالتصوير الدقيق للحياة اليومية، ويحرص على أنسنة القضايا الكبرى، فتأتي قصيدته محملة بنكهة الأرض وأصوات الناس، أقرب إلى اعتراف وجداني منه إلى ترف بلاغي.
ولم يقف نتاجه عند حدود الشعر، بل أغنى المكتبة العراقية بأكثر من خمسة عشر مؤلفًا في ميادين الأدب الشعبي، والتاريخ، والأنساب، منها:
مباحث في الأدب الشعبي العراقي الأصيل (جزآن)
– دراسات في الأدب الشعبي العراقي- نهج البلاغة بين الإمام علي والشريف الرضي- الشاعرة العمارية فدعة بنت علي آل صويح- الشاعر الشعبي الحاج زاير- الزهيري والموال في التراث الشعبي العراقي- اليهود في العراق: حملة الإرث الحضاري لبلاد الرافدين- تاريخ الأنصار من الأوس والخزرج- الكوفة والبصرة: امتداد لحضارة وادي الرافدين- كشكول الخزرجي- كتابات في مسرح الحياة (ثلاثة أجزاء سياسية – اجتماعية)- دراسات في الماركسية (2024). وقد نشر عشرات المقالات والدراسات في الصحف والمجلات العراقية المعروفة مثل طريق الشعب، الشرارة، والعشرة كراسي.
ينظر النقاد إلى الخزرجي بوصفه شاعرًا مثقفًا، وباحثًا موسوعيًا أعاد الاعتبار للأدب الشعبي بوصفه مرآة حقيقية للوجدان الجمعي. ويشير البعض إلى أن دأبه على التوثيق والدراسة قد حفظ من الضياع تراثًا شفوياً مهملًا. ويرى آخرون أن تجربته في الشعر الشعبي تميزت بالصدق والبساطة وارتباطها الوثيق بالبيئة الجنوبية، في حين شكّل انتقاله إلى الحلة واحتكاكه بنقاد وشعراء الوسط والفرات الأوسط دفعة جديدة جعلت من نصه أكثر نضجًا وعمقًا.
أما في كتاباته البحثية، فقد وصفه عدد من الأكاديميين بـ”المؤرخ الميداني”، الذي يزاوج بين النقل والرصد المباشر، ويقدّم مادته بلغة سهلة غير مبتذلة، تجمع بين الحس الشعبي وروح المثقف العضوي.
وقد كرّمت مؤسسات عديدة جهوده، منها: شهادة تقديرية من محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي- شهادة شكر من اللجنة العليا لمهرجان تمصير الحلة الخامس (2019) شهادة في التاريخ والأنساب من الرابطة العراقية للتاريخ وتوثيق علم الأنساب، درع الرابطة العراقية للتاريخ.
إن لفته عبد النبي الخزرجي ليس مجرد شاعر وباحث، بل هو ذاكرة تمشي على قدمين، يتنقل بين الشعر والمقالة والدراسة كما يتنقل بين أبو الخصيب وبابل، يحمل في قلبه الجنوب، وفي كلماته الحنين، وفي مؤلفاته حرص العارف، وفي حياته سيرة رجل نذر قلمه للحقيقة والجمال.