عامر حميو السارد الذي حمل الوجع بين دفتي الحكاية

محمد علي محيي الدين

في قضاء القاسم، حيث تفوح رائحة التراب المسكون بالحكايات، وُلد عامر حسين حميو عام 1964، ليبدأ رحلته في الحياة كأي ابنٍ للريف العراقي؛ لكنه لم يكن عاديًا، فالصبي الذي كان يلتهم دفاتر الدراسة في معهد المحاسبة، كان يحمل في داخله نارًا لم يطفئها العمل الوظيفي ولا رتابة الأيام: نار السرد.

ظلّ عامر حميو لعقود يمارس الكتابة كهاجس داخلي، يسربها في هوامش الوقت بين دفاتر الحسابات وختم المعاملات، حتى قرر أن يعطي الأدب حقه بعد أن تقاعد في عام 2021، متفرغًا كليًا للكتابة، وكأن العمر كله كان تحضيرًا لهذا الانغماس العميق في عوالم القص والرواية والمسرح.

عالمه السردي: الكتابة من قلب الاحتراق
لا تأتي نصوص عامر حميو من رفاهية الخيال، بل من احتكاكٍ دائم بالحياة وتفاصيلها المشروخة. في روايته الأشهر “بهار”، التي ترجمت إلى الفارسية ونُشرت بأربع طبعات، يقتنص السارد شروخ الروح الأيزيدية في مواجهتها للمجازر، فيعيد الاعتبار إلى الهامشي والمنكوب. أما في “رمال حارة جدًا” و”سُلّم بازوزو” و”قبور تهتك أسرارها” و”التعويذة”، فنرى مشروعًا روائيًا متصلًا، لا يسكنه السرد المجرد بل يشتبك مع التاريخ والسياسة والهوية.
قصصه لا تقول الأشياء بل تهمس بها، كما أشار عنوان مجموعته القصصية “أصيغوا الانتباه: ما حولنا يهمس!”، حيث الصوت الخافت أكثر وقعًا من الضجيج، والهمس أقدر على اختراق القلب من الصراخ.
حتى في أعماله المسرحية مثل “جحر الفئران” و”الكرة الباردة” و”العمر الافتراضي”، ينقل حميو الدراما من النص إلى النفس، مجسدًا خيبات الإنسان العراقي الذي يمشي فوق شظايا الأحلام.

النقاد يتكلمون: بين سرد الوجع وتفكيك الصورة
ما يلفت النظر في تجربة عامر حميو هو انشغال الباحثين والنقاد بها بشكل مبكر، إذ تحوّل إلى موضوع لعدد غير قليل من الرسائل والأطروحات الأكاديمية. تناولته دراسات عن أدب الأقليات، وتفكيك الصورة النمطية عن الأيزيديين، وثيمة الوجع، والفضاء الروائي، والبنية السردية، وحتى سيميائية النص.
وتكشف هذه الدراسات عن أن عالم حميو السردي ليس مجرد خزانة حكايات، بل بناء معماري تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة، وتتعالق فيه اللغة مع المعنى، والشخصيات مع القضايا الكبرى.
الناقد محمد فاضل جواد، الذي كتب عن “الأنتيكة”، يرى أن حميو يمتلك قدرة على تحويل الأشياء الجامدة إلى كائنات تنبض بالرمز والدلالة، فيما تعتبر الباحثة زينب حبيب ظاهر أن حميو “يسرد الوجع لا بوصفه حدثًا، بل قدرًا يتخلل الوعي الجمعي”، أما الباحثة خالدة علوان، فتجد في روايته “بهار” نصًا تفكيكيًا لصورة الأيزيدي المهشّم، بكل ما تحمله من مآسٍ وهوامش.

الكاتب كضمير جمعي
ليس غريبًا إذًا أن تترجم بعض أعمال حميو إلى اللغات الأخرى، كما حدث مع قصته “أفكار مبعثرة، لوحة مكتملة”، التي اختارها المترجم ماهر حوني ضمن كتاب “عشرون قاصًا عراقيًا”، فاختيارها لم يكن مجاملة، بل اعترافًا بجمالية المبنى وعمق المعنى.

ومع كل إصدار جديد – من “الغوغائي” إلى “عشق بطعم الدخان”، ومن “خدوش في ذاكرة متقدة” إلى “دوامة إفلاس” – يؤكد عامر حميو أن السرد ليس ملاذًا جماليًا فقط، بل هو تعبير أخلاقي عن الانحياز للضعفاء، وانتصار للمنسي والمقموع والمسكوت عنه.

النهر الذي لا ينضب
هكذا يمضي عامر حميو في رحلته الإبداعية، صامتًا كالنهر، لكنه عميق كجذور النخل، لا تصدر عنه ضجة المشاهير، ولا ضوضاء التسويق، لكنه يحفر مجراه في الذاكرة الأدبية بثباتٍ وجدارة.

عامر حميو ليس فقط قاصًا وروائيًا، بل شاهدًا على عصر، وضميرًا حيًّا ينطق بأوجاع الناس في نصوص تنتمي إلى الأدب بقدر ما تنتمي إلى الحياة.

قد يعجبك ايضا