محمد علي محيي الدين
لم يكن عبد الأمير صبّار يوماً مجرد كاتب يمسك القلم ليروي حكاية، أو يسكب الحبر ليملأ فراغ الصفحات، بل كان ـ وما يزال ـ شاهداً على زمنٍ يعجّ بالتناقضات، وفاعلاً يسعى لبعث الحياة في فكرة، وفيلسوفًا سرديًا يسائل الواقع ويقترح البديل. وُلِد في قرية الإبراهيمية في الأول من تموز عام 1961، فتنشّق أول أنفاس الطين العراقي، وحمل في وجدانه مرارة الريف وآماله، ثم مضى في مسيرةٍ من التعليم والمعرفة، بدأت بمعهد إعداد المعلمين، وانتهت بشهادة الدكتوراه في الأدب الحديث من الجامعة الحرة البريطانية. وبين ضفّتي المعرفة والتجربة، تكوّن الكاتب الذي لم يكتفِ بسرد الواقع، بل حاول تجاوزه وابتكار عالم آخر أكثر إنسانية.

كاتبٌ بملامح إنسان وفيلسوف بوسائل راوٍ
انتمى عبد الأمير صبّار إلى الجيل الذي آمن بأن الكتابة موقف، وأنّ الرواية ليست مجرّد حكاية، بل أداة لتفكيك السلطة، ومساءلة الأخلاق، وبناء الوعي. في مجموعاته القصصية مثل سوء استخدام السلطة ورجولة ورجال، نجد خيوطًا من النقد الحاد للأنظمة التي تلبس لبوس القوة لتُخفي خواءها، ونزوعًا دائمًا لكشف الزيف المتوارث في مؤسسات السلطة والعائلة والمجتمع.
وفي رواياته مثل وإذا الوحوش حُشرت، وغدًا.. لا تطلع الشمس وتانيـا…، نكتشف حسًّا سرديًا مرهفًا يتلمس أعماق النفس الإنسانية، ويغوص في عتمة الذات المقهورة، ليعود منها بقبس من الأمل أو صفعة من الوعي.
لكن ما يضع عبد الأمير صبّار في مرتبة مختلفة بين كتّاب جيله، ليس فقط مهارته في السرد، ولا تنوع موضوعاته، بل مشروعه الفلسفي ـ الروائي الجريء، المتمثل في الأنامية، وهي نظرية لا تُقرأ باعتبارها مجرّد سردٍ تخييلي، بل بوصفها رؤية تأسيسية لعالمٍ جديد.
“الأنامية”: من أطلال الواقع إلى ملامح المدينة الفاضلة
في روايته الفلسفية الممتدة ذات الجزأين، والتي تحمل بذرة مشروعه الأشمل، يطرح عبد الأمير صبار فكرة جريئة: هل يمكن للإنسان العراقي، المثقل بإرث القهر والانقسام، أن يُخلق من جديد؟ ليس كعودة إلى الظهر الأول، بل كمشروع إنساني يتجاوز الحدود المصطنعة للجنس والقومية والدين.
الأنامية ليست نظامًا سياسيًا، ولا طوباوية حالمة، بل هي محاولة سردية لتصميم مجتمع جديد يجمع شتات القلوب، مجتمعٌ لا يعرف التوافقات الطائفية، ولا يتكئ على إرث الدماء، بل ينهض على قاعدة “الإنسان أوّلاً”. وقد رأى بعض النقاد في هذا المشروع امتدادًا لحلم أفلاطوني عتيق، بينما رآه آخرون تمرينًا أدبيًا على إمكانية الخروج من ركام الواقع نحو أفق أخلاقي أرحب.
يقول أحد النقاد في إحدى ندوات بابل الثقافية: “إن الأنــامية مشروع ثقافي قبل أن يكون مشروعًا روائيًا، يُقرأ على أنه سعي لكاتب أدرك أن الأدب لا يصالح، بل يؤسس، ولا يصف فقط، بل يغيّر”. أما آخرون فعدّوها بمثابة بيان سردي لصيغة أخلاقية واجتماعية تُعيد الاعتبار للإنسان المجرد من هوياته الضيقة.
عبد الأمير صبّار بين القصة والمجتمع
في كل ما كتبه عبد الأمير، كان الهمّ الإنساني حاضرًا، والقلق الوجودي متوهجًا. سواء أكان في ديوان الأيامى والعوانس الذي يضيء الهامش المنسيّ، أو في فن صناعة الإنسان الذي يرسم ملامح الشخصية القادرة على التغيير، يظلّ النداء الداخلي للكاتب واحدًا: لنجعل من الكلمة بيتًا للوعي، ومن الرواية سلّمًا للصعود من الانكسار.
لم يكن غريبًا أن يشارك في مهرجانات بابل الثقافية، ويكون عضوًا فاعلًا في اتحاد أدباء وكتّاب بابل، وفي جمعية الرواد الثقافية، فصوته لم يكن معزولًا عن المحيط، بل متصلًا بوجدان جماعي يبحث عن الخلاص، ويتلمّس ضوءًا من الحكاية.
الختام: الكاتب الذي أراد أن يُعاد خلق الإنسان
عبد الأمير صبّار ليس روائيًا فقط، بل هو معماريّ قيم، يحاول أن يعيد ترتيب لبنات المجتمع، وأن يشكّل من اللغة ترياقًا ضدّ العنف والتمييز والتشظي. لم يبحث عن الجوائز، ولم يسعَ لأن يكون نجمًا ثقافيًا، بل بقي معلّمًا في الحقل والمحراث والكلمة. ومن رحم الألم، كتب أملاً، ومن كُحل الريف العراقي صنع أفقًا جديدًا.
إنه الكاتب الذي آمن أن الرواية يمكن أن تكون مشروعًا أخلاقيًا، وأن الخيال، حين يتكئ على الضمير، قد يصير حقيقة ذات يوم.