التآخي لا يموت من الجبال إلى دجلة والفرات

نوري جاسم

من عمق الجبال التي تنام بين الغيوم وتحرسها أشجار الجوز والصنوبر، إلى دجلة الذي يهمس بحنينه الأبدي في قلب بغداد، إلى الفرات الذي يروي عطش الأرواح والأشجار، كنا وما زلنا نكتب قصيدة اسمها العراق، قصيدة لا تُكتب بلغة واحدة، ولا تُقرأ بصوت واحد، بل تُنشد بكل لهجات الحب والانتماء والكرامة، وفي أرض التآخي وفضائه الواسع، لا تسكن قومية فوق أخرى، ولا يعلو لون على آخر، بل تتكئ الأرواح على بعضها كما تتكئ الجبال على ضوء الشمس في لحظة فجر في كردستان العراق، كما في الجنوب، في سهل نينوى كما في أزقة الكرخ، في النجف وكركوك وزاخو، القلب واحد وإن اختلفت الحروف والكلمات، ولكن يبقى المعنى واحد، ولسنا بحاجة أن نعيد تعريف التآخي، لأننا نعيشه، هو ليس شعارًا نعلقه على المباني، بل دمعة أم كردية على ابنها العربي، وابتسامة شيخ عربي في حضرة فتى يزيدي، وهو تلك المائدة المفتوحة في العيد لأبناء كل الطوائف، التآخي لا يُفرض، بل يُورث، ويتجدد عندما تختار أن تكون إنسانًا قبل أن تكون أي شيء آخر، ولقد مرّ وطننا بتجارب قاسية، وجُرحت خريطته، واهتزت موازينه، ولكن في كل مرة يُظن أن الجدران تتشقق، تخرج من بين الشقوق زهور من الوعي، وعقول منفتحة، وأصوات تقول يكفينا تفرقة، ولنبدأ من جديد. من هنا، من هذا الإيمان العميق بأن الدم لا يقسم وطنًا، بل يجمعه، أن التآخي ليس حلمًا كرديًا فقط، بل هو حق عربي أيضًا، وأمل تركماني، وغناء كلداني، وذاكرة آشورية، وهمس صابئي، ونداء شبكي، وصلاة مسيحي، وحرف مندائي، ونور كسنزاني وهو المدى الذي يجعلنا جميعًا نرفع علمًا واحدًا لا يبتلع الهويات، بل يحرسها جميعًا في ظلٍ عادل، وها نحن اليوم، في زمن متغير، نكتب عقد الوطن الجديد، عقدًا لا يُملى من فوق، ولا يُفرض بقوة، بل يُولد من رحم الصدق، والحوار، والثقة، والرغبة بأن يكون لنا وطن نحبه، لا نخافه، ونعانقه لا نهرب منه. عقد عنوانه “معًا نبني.. معًا نحلم.. معًا نكون” ولأجل هذا، نحتاج أن نغرس بذور التآخي في المدارس، في الإعلام، في المساجد والكنائس، في الشعر والرواية، في كتب الأطفال، في وجدان السياسي والمثقف والفلاح. لا نريده خطابًا رسميًا بارداً، بل روحًا حارة دافئة كقهوة الصباح في بيت كردي مفتوح للجميع،
ومن الجبال إلى دجلة والفرات، هناك قصص حب ووئام لم تُروَ بعد، فلنكتبها معًا، بأقلام لا تسيل بالحقد، بل بالتسامح. ولنعلن للعالم، من التآخي، أن العراق لا يزال حيًّا.. لا يزال جميلاً.. لا يزال ممكنًا….

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا