محمد علي محيي الدين
في مدينة الاسكندرية، الموشاة بنخيل بابل وظلال الفرات، وُلد الشاعر ضياء محمود مجيد الجميلي يوم الثاني من آب عام 1953، ليحمل في سنيّ عمره النهرية نبض القصيدة وهمس الحقول وحنين العشاق. ومنذ بواكير شبابه، وهو يلتقط من دفاتر الطفولة وأروقة المدارس نغمة الشعر الأولى، تلك التي ستغدو لاحقًا وشاحًا يلف به الروح والوطن والحلم المؤجل.

درس في مدينته حتى أكمل الثانوية، ثم التحق بكلية التربية قسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد عام 1974، وتخرج فيها في العام الدراسي 1977-1978، لينتقل من مقاعد الطالب إلى منصة الأستاذ، معلّمًا للغة الإنجليزية في مدارس محافظة بابل، قبل أن يُحال إلى التقاعد وقد ملأ الذاكرة والمعرفة مناهج وأجيال.
لكن الشاعر الذي يسكنه لم يتقاعد يومًا، فقد ظل قلمه يكتب كما تكتب الأشجار ظلّها، وكما يكتب الينبوع مياهه في سِفر الحياة. نشر قصائده في صحف ومجلات عراقية عريقة مثل البينة وضفاف الفرات والمرايا، فكان صوته مزيجًا من حنين الشاعر الجاهلي، وحكمة المتصوف، ووجدان العراقي المثقل بالأمل والخذلان معًا.
أصدر المجيد عددًا من الدواوين الشعرية التي تراوحت بين الحلم والغربة، بين الأرض المقدسة والوجد الإنساني، ومن بينها:
“أحلام مؤجلة” (2017) – ديوان يختصر حالة الترقب والأمل التي ظلت ترافق قصيدته،
“عصافير تحتسي الغروب” (2018) – حيث يتعانق الغروب مع نداءات الطيور الضائعة،
“تلابيب الثرى” (2021) – قصائد تلامس وجدان الأرض العراقية بفيض من الحنين،
“نياسم موءودة” – صوت الناي المنكسر في صمت
الصحراء، إضافة إلى مشاركته في دواوين جماعية ذات بعد إنساني وديني مثل: “فلسطين في عيون الشعراء” و”القصائد البهية في مدح خير البرية” و”الحسين في عيون الشعراء”.
وقد حاز الشاعر عضوية عدد كبير من المؤسسات الأدبية والثقافية داخل العراق وخارجه، ما يعكس اتساع حضوره الثقافي وتمثيله للإبداع العراقي في المحافل العربية، كما شارك في مهرجانات مرموقة، أبرزها مهرجان المربد ومهرجان بابل الدولي، وهي مناسبات ظلّ فيها صوته الشعري واحدًا من تلك الأصوات التي تحتفظ بجذور القصيدة في الأرض، لكنها تحلق بها في سماء التجديد.
نال ضياء محمود المجيد عدة شهادات تكريمية، منها الدكتوراه الفخرية من اتحاد الأدباء والشعراء والفنانين في مصر، والدبلوم الفخري من الاتحاد الدولي للثقافة والسلام في سوريا، وهي إشارات عرفان لمسيرته الشعرية، التي جمعت بين الأصالة والانتماء، وبين هموم الذات العراقية وهمّ الأمة.
آراء النقاد فيه جاءت مفعمة بالتقدير لمتانة لغته، وللحميمية الصوفية التي تتسلل من بين حروفه. فقد رأى فيه بعض النقاد شاعرًا يُعيد للشعر التقليدي دفء العاطفة، في حين وجده آخرون شاعرًا غنائياً يمتلك حساسية عالية تجاه الوجع الإنساني، قادرًا على أن يجعل من المفردة جسراً نحو الأفق. واعتبره عدد من الأكاديميين مثالًا للشاعر الذي ظلّ أمينًا لقصيدته رغم تعاقب الموجات الحداثية، وواحدًا من الأصوات التي حافظت على جمالية الإيقاع دون أن تقع في فخ التقليد.
في ضياء محمود المجيد، نقرأ قصيدة تقف على ضفة الحنين، ولكنها لا تتخلى عن الحلم. قصيدة تعرف أن للظلّ جذورًا، وللنخل ذاكرة، وللشاعر وطنًا لا يُختصر بالخريطة، بل بخفقة قلبٍ، وبكلمةٍ تُكتب تحت المطر.
فهو، وإن لم يُحدِث ضجيج الأضواء، إلّا أنه أحد أولئك الشعراء الذين يضيئون من الداخل، وينتمون لمدرَسة “الكتابة بالصدق”، وهي أصدق المدارس، وأكثرها بقاءً في الوجدان.