أنفال البارزانيين… الجريمة الكبرى التي لن تُنسى

دلشاد محمد*

في صفحات التاريخ المثقلة بالألم، تسجل أنفال البارزانيين كواحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها نظام استبدادي بحق شعب أعزل، لا لشيء إلا لأنهم طالبوا بحقهم في الحياة والكرامة.

في عام 1983، وبأوامر مباشرة من الطغاة، تم اعتقال أكثر من 8,000 رجل وشاب من عشيرة البارزانيين، واقتيدوا إلى المجهول، ثم إلى المقابر الجماعية التي حُفرت على عجل، واحتضنت أجسادهم الطاهرة.
لم يكن ذلك سوى وجهٍ من وجوه الظلم الذي حرّمه الله سبحانه وتعالى على نفسه، فقال في الحديث القدسي:
“يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا.”

ما جرى لم يكن حرباً، بل تطهيرًا عرقيًا وإبادة جماعية بحق أناسٍ مسلمين، يُصلّون ويصومون، يُعمرون الأرض بالإيمان، ويربّون أبناءهم على الفضيلة.
فأي ذنب اقترفه أولئك الأطفال؟ وأي جرم ارتكبته تلك الأمهات الأرامل؟
قال تعالى:
“وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” (الأنعام: 164)
فبأي شريعة أو قانون يُباد شعب كامل بسبب انتمائه وهويته؟
لم يكن أنفال البارزانيين مجرد مأساة سياسية، بل كانت انتهاكًا صارخًا لكل تعاليم الإسلام، الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن سفك الدماء بغير حق، فقال جل شأنه:
“مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة: 32)

ورغم الألم، فإننا نؤمن أن دماء الشهداء لا تضيع عند الله، وأن كل قطرة سالت ظلمًا ستُحاسب يومًا بين يدي العدل المطلق، في يومٍ لا يُظلم فيه أحد، قال تعالى:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ” (إبراهيم: 42)

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، مايزال أنفال البارزانيين جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الكوردية، تطالب العالم بإنصاف الضحايا، والاعتراف بأن ما جرى هو جريمة إبادة جماعية، وظلمٌ لا يقره دين ولا ضمير.

إننا إذ نستذكر هذه الفاجعة، لا نغرق في الحزن فقط، بل نرفع أكفَّ الدعاء، ونقول:
اللهم ارحم شهداءنا، وانتقم من الظالمين، واحفظ كوردستان من كل شر.

“الأنفال لن تُنسى… وعدالتها حق لا يسقط بالتقادم، لأنها أمانة في أعناقنا، ودين في رقابنا.”

*امام وخطيب

قد يعجبك ايضا