د . صباح ايليا القس
المدح أحد الاغراض الشعرية التي عرفها الشعر منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا في بعض الاحيان .. والمدح له بابانِ الباب الاول هو الاعجاب بالممدوح وما يشتمل عليه من قيم اجتماعية مثل الكرم والشجاعة ورجاحة العقل ويمكن ان يكون المدح لفرد او لجماعة كأن يمدح شاعر قبيلة برمتها او احد افرادها لما وجده في ذلك الرجل من صفات يستحق ان يمدح لأجلها ..
والمدح يحتمل الصدق اذا وجد الشاعر في الممدوح المزايا الطيبة التي يتعارف عليها المجتمع او ان يكون المدح وسيلة للنفاق والتكسب وذلك الذي عرفناه وتأكد لدينا عند مدح المتنبي كافور الاخشيدي على امل ان يعطيه ولاية ولكن كافور العبد الاسود نقض العهد على الرغم من ان الاخشيدي أعطى المتنبي هدايا لا تعد ولا تحصى ولكن المتنبي عاد وهجا كافور بابشع الصور ذلك لان مدحه لم يكن عن صدق المشاعر والنيات بل كان لمصلحة معلومة .
ابن هانئ الاندلسي كان مداحا ايضا ولكنه لم يعرض شعره للبيع والتكسب بل كان صادقا صريحا مع ممدوحيه بحيث تستطيع ان تتلمس الصدق الدافق والدال على الايمان والوجدان الحقيقي .
نشأ ابن هانئ في اشبيلية ودرس في قرطبة حيث تلقى العلوم والمعارف السائدة في عصره فضلا عن اهتمامه بالشعر والادب والفلسفة والدين والتاريخ لكنه أظهر مهارة في الشعر جلبت اليه الانظار وصار مطلب الامراء والقواد .
واذ نشأ في اشبيلية فمن الأولى ان يتصل بأميرها الذي احتفل به وقدمه . ونظرا لميوله السياسية فقد فضل الابتعاد عن اشبيلية والاستقرار في المغرب تحت رعاية جوهر الصقلي .
واذ كان المتنبي قد كثر حاسدوه الذين اكثروا عليه النفاق امام سيف الدولة حتى قال :
أزحْ حسد الحساد عني بكبتهم فأنت الذي صيرتهم ليَ حُسَّدا
نجد ان ابن هانئ لاقي الحساد ايضا لكنه المعروف بعقله وطيبته وعفته لم يكن امداحا للتكسب بل هو صاحب مبدأ وكان مدحه يعبر فيه عن صدق العواطف فقال في الحاسدين :
وما غاظ حسادي سوى الصدق وحده
وما من سجايا مثليَ الإفك والحوبُ
الإفك والحوب = الكذب والإثم .
ومدح جوهر الصقلي قائد جيوش المعز لدين الله يقول فيه :
فسِرْ أيها الملك المطاع مؤيَّدا
فللدين والدنيا اليك تطلُّع
عند الاطلاع على مدائح ابن هانئ الاندلسي نستطيع ان ندرك قوة الاسلوب وصدق المعنى ووضوح الفكرة كل هذا ضمه الاسلوب المتميز برشاقته وانسيابية مفرداته فضلا عن اشتماله على الحِكَم التي لا تخلو منها قصيدة .
لا يمكن ان ننسى ان شعره تتداخل فيه بعض المفردات التي لم تعد مفهومة في عصرنا هذا ويسميها بعضهم غريبة او قاموسية ما يعني ان القارئ بحاجة الى معجم لغوي بين يديه لكي يفسر هذه الكلمات ..
ابن هانئ المداح الاندلسي يضاهي المتنبي في المشرق لاسيما في غرض المدح .