نبيل عبد الأمير الربيعي
في تاريخ الأمم رجال لا يكتفون بقراءة الماضي، بل يعيدون إليه الحياة، ويمنحون ذاكرة الشعوب فرصة جديدة للنطق بعد آلاف السنين من الصمت. ومن بين هؤلاء يبرز اسم البروفيسور الدكتور نائل حنون، أحد أبرز علماء الآثار واللغات المسمارية في العراق والعالم العربي، الذي كرس أكثر من نصف قرن من عمره للكشف عن أسرار حضارة وادي الرافدين، جامعًا بين معول المنقّب، ودقة اللغوي، ورؤية المؤرخ.
ولد نائل حنون في قضاء كميت بمحافظة ميسان عام 1952، في بيئة عراقية تلامس الأرض التي احتضنت أولى المدن وأقدم الكتابات. ومنذ سنواته الأولى انجذب إلى عالم الآثار، فكان شغفه بالقراءة يتجاوز حدود عمره، حتى قاده ذلك الشغف إلى دراسة الآثار في جامعة بغداد، حيث تتلمذ على يد شيخ الآثاريين العراقيين الدكتور طه باقر، الذي لم يكن أستاذا فحسب، بل مدرسة علمية كاملة تركت أثرها العميق في تكوين تلميذه.

واصل حنون رحلته العلمية حتى نال الدكتوراه في فلسفة اللغة الأكدية من جامعة تورنتو الكندية، بعد سنوات من التخصص في اللغات المسمارية، فامتلك أدوات نادرة قلما اجتمعت في باحث واحد؛ إذ جمع بين معرفة النصوص السومرية والأكدية وقراءة الشواهد الأثرية ميدانيا، وهي ميزة صنعت فرادته العلمية.
لقد أدرك نائل حنون أن الآثار الصامتة لا تكفي وحدها لفهم التاريخ، كما أن النصوص المسمارية لا تكتمل دلالاتها من دون سياقها الأثري، ولذلك ابتكر منهجا يقوم على التكامل بين الحفر في الأرض والحفر في النصوص. ومن خلال هذا المنهج تمكن من تحقيق اكتشافات مهمة في مواقع عراقية عديدة، منها تل السيب وتل حداد في حوض حمرين، حيث أسهم في تحديد موقع مدينة (ميتوران) القديمة، التي بقيت مجهولة لقرون طويلة، كما قاد أعمالا ميدانية في بابل، وكشف عن مدينة (مرد) في الديوانية، وشارك في التنقيب في حديثة والنمرود وغيرها من المواقع التي شكلت مفاتيح جديدة لفهم تاريخ العراق القديم.
ويبقى اكتشاف القبور الملكية في نمرود من أبرز محطات مسيرته العلمية، إذ ارتبط اسمه بأحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، حين كشفت أعماله عن كنوز آشورية استثنائية من الذهب والعاج والأحجار الكريمة، أعادت إلى العالم صورة مبهرة عن ثراء الحضارة الآشورية ودقتها الفنية. ولم يكن ذلك مجرد اكتشاف أثري، بل حدثا علميا أكد أن أرض العراق ما زالت تخفي بين طبقاتها صفحات غير مكتملة من تاريخ الإنسانية.
ولم تتوقف إنجازاته عند حدود العراق، بل امتدت إلى سوريا، حيث شارك في تنقيبات تل جنديرس، وأسهم في تحديد موقع العاصمة الإقليمية القديمة (كينالوا)، معتمدا على قراءة دقيقة للنصوص المسمارية ومقارنتها بالمعطيات الميدانية، في نموذج علمي يجسد قيمة المعرفة المتكاملة.
غير أن إسهام نائل حنون الأبرز ربما يكمن في جهوده اللغوية، فقد كان من أوائل الباحثين العرب الذين نقلوا النصوص السومرية والأكدية إلى العربية مباشرة من أصولها المسمارية، متجاوزا الترجمات الوسيطة التي اعتمدت على اللغات الأوروبية. وقد أعاد بهذا الإنجاز الاعتبار للباحث العربي، وأثبت أن اللغة العربية قادرة على استيعاب أدق مفاهيم حضارات الشرق القديم.
وتأتي ترجمته لشريعة حمورابي وملحمة جلجامش وقصة الخليقة البابلية في مقدمة الأعمال التي رسخت مكانته العلمية، لأنها لم تكن مجرد نقل لغوي، بل قراءة نقدية وتحليلا تاريخيا وثقافيا للنصوص، معتمدة على المعرفة الدقيقة باللهجات السومرية والأكدية وتطورها عبر العصور.
كما أغنى المكتبة العربية بأكثر من عشرين مؤلفا في الآثار واللغات القديمة والعقائد والأساطير والجغرافية التاريخية، أصبحت مراجع أساسية لطلاب الدراسات العليا والباحثين، وأسهمت في إعادة قراءة حضارة وادي الرافدين بعيدا عن كثير من الأحكام والتفسيرات التقليدية.
إن تجربة نائل حنون تقدم نموذجا للعالم العراقي الذي لم ينفصل يوما عن جذوره، رغم سنوات الدراسة والعمل خارج الوطن. فقد ظل العراق حاضرا في كل كتاب كتبه، وفي كل نص ترجمه، وفي كل موقع أثري عمل فيه، مؤمنًا بأن حضارة وادي الرافدين ليست ملكا للعراقيين وحدهم، بل إرث إنساني ينبغي صونه وفهمه وتقديمه للأجيال.
لقد نال الدكتور نائل حنون أوسمة وجوائز علمية عديدة، وكان من بينها وسام المؤرخ العربي، غير أن قيمته الحقيقية لا تقاس بالأوسمة، بل بما تركه من أثر معرفي سيظل حاضرا في كل دراسة تتناول تاريخ العراق القديم، وفي كل قارئ يكتشف عبر كتبه أن الطين الذي صنعت منه الألواح المسمارية ما زال قادرا على أن ينطق، إذا وجد من يقرأه بعين العالم، وعقل الباحث، وصدق المؤمن برسالة المعرفة.
ولم تقتصر إسهامات الدكتور نائل حنون على العمل الميداني في التنقيب أو على ترجمة النصوص المسمارية، بل امتدت إلى مشروع تأليفي موسوعي أغنى المكتبة العربية بأكثر من عشرين كتاباً أصبحت مراجع أساسية في الدراسات الآثارية واللغوية. وقد بدأ مشروعه العلمي مبكرا بكتابه (عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة) الذي صدر عام 1978، قبل أن يصدر طبعة موسعة منه لاحقا، مقدما قراءة جديدة للمعتقدات الدينية العراقية القديمة.
وفي مجال التوثيق العلمي وضع كتاب (نظام التوثيق الآثاري) الذي أسهم في تطوير آليات العمل المتحفي والأثري، كما أنجز عملا معجميا رائدا في كتابه (المعجم المسماري: معجم اللغات الأكدية والسومرية والعربية)، الذي يعد من أهم المراجع العربية في اللغات القديمة، إذ جمع بين الدقة اللغوية والخبرة الآثارية في آن واحد.
أما في ميدان الفكر الديني والأسطورة، فقد أصدر كتبًا مهمة، منها (عقائد الحياة والخصب في الحضارة العراقية القديمة)، و(الحياة والموت في حضارة بلاد الرافدين القديمة)، و(حينما في العلى: قصة الخليقة البابلية)، و(المدافن والمعابد في حضارة بلاد الرافدين القديمة) بجزأيه، وهي أعمال أعادت قراءة المعتقدات والطقوس العراقية القديمة اعتمادا على النصوص المسمارية الأصلية، بعيدًا عن التفسيرات التقليدية.
وتتجلى مكانته العلمية بصورة أوضح في ترجماته المباشرة للنصوص المسمارية، إذ أنجز ترجمة (شريعة حمورابي) في عدة أجزاء مع شروح لغوية وتاريخية، كما قدم ترجمة علمية رائدة لـ(ملحمة جلجامش) مباشرة من النص الأكدي، مضيفا إليها قصة وفاة جلجامش وتحليلا لغويا للنص، وهو الكتاب الذي حقق انتشارا واسعا وعد من أكثر الكتب مبيعا في معرض بغداد الدولي للكتاب عام 2020، لما امتاز به من دقة علمية وأسلوب رصين.
كما رفد الدراسات التاريخية بعدد من المؤلفات المهمة، منها (حقيقة السومريين)، و(مدن قديمة ومواقع أثرية)، و(دراسات في علم الآثار واللغات القديمة) بجزأيه، فضلا عن (نصوص مسمارية تاريخية وأدبية)، وهي مؤلفات تمثل خلاصة عقود من البحث والتنقيب وقراءة آلاف النصوص السومرية والأكدية، وأسهمت في إعادة تقديم تاريخ العراق القديم إلى القارئ العربي بمنهج علمي رصين.
لقد شكل هذا النتاج الفكري مشروعا متكاملا لإحياء التراث العراقي القديم، فلم تكن مؤلفات نائل حنون مجرد كتب متخصصة، بل جسورا معرفية ربطت القارئ العربي مباشرة بمصادر حضارة وادي الرافدين، وأسهمت في ترسيخ مكانة العراق بوصفه مهدًا للكتابة والقانون والفكر الإنساني.
إن العراق، وهو يواجه تحديات الحاضر، أحوج ما يكون إلى استحضار نماذج علمية من طراز الدكتور نائل حنون، لأن الأمم التي تعرف جذورها بعمق، هي الأقدر على بناء مستقبلها بثقة. ومن هنا، فإن الاحتفاء بهذا العالم ليس تكريما لشخصه فحسب، بل هو احتفاء بالعقل العراقي الذي ما زال يثبت، رغم كل الظروف، أنه قادر على إنتاج المعرفة وصناعة الإنجاز وحماية ذاكرة الحضارة الإنسانية.