محمد علي محيي الدين
لا يُقرأ رياض المعموري كما يُقرأ سواه. إنّه شاعر “الصوت الداخلي”، شاعر الهمس العالي، الذي لا يطرق الباب بل يدخل من النوافذ الصغيرة، يلتقط شذرات المعنى من بين رماد الحياة اليومية، ليصنع منها نصوصًا تتماهى مع الحزن كأنه نغمة أصلية في الوجود. وُلد عام 1974 في ناحية الإسكندرية، جنوبي بغداد، وعاش تجربة شعرية تدرّجت من البوح النثري المكثف إلى الكتابة الأسطورية التي بلغت ذروتها في مجموعته “أغاني أورفيوس” الصادرة سنة 2020.
منذ صدور مجموعته الأولى “هولوسين” سنة 2001، بدا أن رياض لا يكتب انفعالًا عابرًا، بل يحفر في صخرة التجربة الإنسانية بأسلوب مغاير. هذه النصوص، التي وُصفت بأنها “كتابات على جلد الروح”، تكشف عن انشغال مبكر بأسئلة الوجود، وبالعزلة، وبالموت كضد للحب، لا للحياة.

يقول في إحدى قصائده:
“كنتُ أجلسُ على ظلِّي
كي لا يأخذني الليلُ كلّي،
وأدسُّ قلبي في جيبِ معطفي
كقطعة سكّرٍ أخشى عليها من المطر.”
بموازاة الكتابة، انخرط رياض المعموري في الحياة الثقافية العراقية، وكان عضوًا فاعلًا في اتحاد الأدباء ونقابة المعلمين ومنتدى الإسكندرية الأدبي، فضلًا عن رئاسته “نادي المطالعة” الذي أسسه في مدينته. نشر قصائده في أبرز الصحف الثقافية مثل “الصباح”، “طريق الشعب”، “الاتحاد”، و”الدستور”، وشارك في مهرجانات كبرى منها “المربد”، و”الجواهري”، و”المتنبي”، و”بابل”، وكان صوته مميزًا في “مؤتمر المثقفين الأول” عام 2006.
في مجموعته “الوقت أعمى” (2006)، يشتد وعيه باللحظة، وتصبح الكتابة بمثابة مقاومة ضد العطب والخذلان. تتكرر ثيمات الغياب والزمن والتآكل اليومي:
“الوقتُ أعمى
يدور حولي بعصاه
يلمس وجهي
ويتجاوزني دون أن يعرفني.”
تُعدّ مجموعة “أغاني أورفيوس” ذروة منجزه الشعري، ومرآة نضج تجربته الجمالية. في هذا الكتاب، يستدعي المعموري الأسطورة لا ليعيد إنتاجها، بل ليحاورها، ويجعل من “أورفيوس” رمزًا للشاعر الذي يبحث عن خلاص في زمن طارد للشعر والشفافية. وهنا تبرز جرأته في المزج بين الميثولوجيا والراهن، بين الغنائي والساخر، بين البكاء واللا مبالاة.
يكتب في إحدى أغانيه:
“أورفيوسُ
لم يُرجِعْ حبيبته من الجحيم،
لكنّه أقنع الموتَ
أن يُطرب قليلاً.”
وكتب النقاد عن تجربته الشعرية يقول الناقد علي حسن الفواز في قراءة له لأشعار المعموري:
“رياض يكتب كما لو أنه يزرع الحصى في الماء. مفرداته لا تُرَتَّب على نحو خطابي، بل تأتي متعبة، شاحبة، وكأنها نجت تواً من محرقة كبرى.”
أما الشاعر والناقد كاظم الحجاج فيصفه بالقول:
“المعموري لا يخاطب القارئ، بل يخاطب نفسه في حضرة القارئ. إنه ينحت من الحزن فنًّا خالصًا، ومن الوحدة لغة لا يمكن تقليدها.”
في حين كتب القاص حسين رشيد عن مجموعته “طبيب الغجر”:
“رياض في هذه المجموعة يؤكد أن القصة القصيرة ليست خصمًا للشاعر، بل حليفًا آخر له في معركة الجمال.”
ما يميز رياض المعموري هو وفاؤه لصوته الخاص، وعدم انجرافه وراء “الموضات” الشعرية العابرة. قصيدته لا تعتمد على الزخرفة ولا على اللعب المجاني باللغة، بل تذهب مباشرة إلى مركز الإحساس. تقترب أحيانًا من الخرافة، وأحيانًا من اليوميات، لكنها دومًا تبقي على تلك النبرة الشفافة التي تشبه موسيقى حزينة تُعزف في زقاق مهجور.
وأخيرا فرياض المعموري، أو “أورفيوس العراق”، ليس شاعرًا فقط، بل باحث في المعنى، ومغامر في اللغة، وناقل لتجربة إنسانية غنية، متعددة الطبقات. لم يكن صوتًا عابرًا في المشهد العراقي، بل تجربة متماسكة تُعاش وتُعاد قراءتها، خاصة في زمنٍ تراجعت فيه اللغة لصالح الضجيج. هذا الشاعر الذي لا يصرخ، لكنك تسمعه جيدًا، سيبقى علامة فارقة في شعر قصيدة النثر العراقية.