محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، حيث تنامُ الفصاحة على ضفاف الفرات، ولد علي سرمد حسين الشمري يوم 17 من أيلول عام 1990، وكأنّ الشعرَ اختار أن يتجسّد في هيئة باحثٍ شاب سيغرس جذوره في أرض البلاغة، ليكبر ناقدًا لا يعبر النصوص بل يتوغّل فيها، باحثًا عن دهشتها الأولى، مستنطقًا ما خبأه الكتّاب بين السطور، وما أرادوه ولم يدركوه.
تسلّق علي سرمد مدارج العلم بهدوء المثقف العميق، لا كمن يطلب الشهادات كأنها رتب، بل كمن يسلكها طريقًا نحو الفهم واكتناه المعنى. فبعد أن اجتاز دراسته الإعدادية عام 2009، التحق بكلية الآداب في جامعة بابل، قسم اللغة العربية، ونال فيها شهادة البكالوريوس، ثم توّج رحلته الأكاديمية بشهادة الماجستير عام 2017، فالدكتوراه سنة 2020 من الكلية نفسها، وكان الامتياز رفيقه في كل تلك المحطات.

لم يكن علي سرمد أسير القاعات الدراسية، بل كان قلبه معلقًا بالقصيدة، مشغوفًا باللغة التي تنأى عن العادي والمكرر. ومن هذا العشق العميق وُلدت أعماله النقدية التي أخذت مكانها في المشهد الثقافي العربي، فكان كتابه الأول “طحالب الميتافيزيقا” الصادر عام 2019 عن دار روافد في مصر، مرآةً لوعيه الفلسفي وتحليله المختلف، بينما شكّل كتابه “إعادة كتابة الموروث في الكتب الشعرية المعاصرة” (دار الانتشار العربي، 2022) جرأة معرفية في تفكيك التراث وتقديمه بروح العصر. أما كتابه “شعرية الخطاب المفتوح: الكتابة والأثر” الصادر عن دار أبجد في بابل، فقد حصل على جائزة دار الشؤون الثقافية – المركز الثاني، وكان محطة احتفاء نقدي، لما فيه من قراءة شاملة للخطاب الشعري المفتوح، ومساءلة جريئة لحدود النص.
ومع كل هذه المنجزات، بقي علي سرمد يحمل حسّ الشاعر، فكتب الشعر كما لو أنه يستعيد به براءة اللغة، وهو اليوم يتهيأ لإصدار مجموعته الشعرية “سديم الدم”، بعد أن نشرت نصوصه في صحف عربية كصحيفة المدى، والجديد اللندنية، والثقافة المغربية. وقد تُرجمت بعض هذه النصوص إلى لغات عالمية، دلالة على عالمية الصوت الذي يحمله.
يعمل اليوم مدرسًا لمادة اللغة العربية في وزارة التربية، لكنه لا يقدّمها على نحوها التقليدي، بل يُنبت فيها أسئلته النقدية، ويحرّض طلابه على النظر إلى اللغة ككائن حيّ لا كمادة صماء.
أما النقاد، فقد نظروا إلى علي سرمد نظرة خاصّة، فعدّه بعضهم من أبرز الأصوات النقدية الجديدة، لما يمتلكه من وعي فلسفي عميق، وإلمام بتيارات النقد المعاصر، وقدرته على المزج بين التحليل الأكاديمي والرؤية الجمالية. ويرى فيه آخرون مجدّدًا في لغة النقد، إذ يحوّل المفاهيم الجامدة إلى طاقة حيّة، تنبض بالحياة والشغف.
يقول أحد النقاد: “يمتلك علي سرمد حسًّا تحليليًا متجاوزًا للأدوات المدرسية، إنه لا يكتفي بتسمية الظواهر بل يتعقبها إلى منبتها الأول، فيكشف كيف تولدت، وكيف شكّلت النص، وكيف تشظّت في القارئ.” فيما يذهب ناقد آخر إلى أن “مشروعه النقدي لا ينفصل عن رؤيته الشعرية، إنه يكتب النقد كمن يكتب قصيدة، ويقرأ القصيدة كمن يفتح كتاب وجود.”
لقد أثبت علي سرمد أن النقد ليس هامشًا على جسد النص، بل هو الروح التي تكشف خباياه، والنار التي تضيء ما غيّبه السرد، وأن الناقد، حين يكتب من قلبه، يكون مبدعًا لا يقلّ عن الشاعر والروائي. ومن هنا، يبدو علي سرمد كما وصفه أحد زملائه: “ناقدٌ يوقظ اللغة من سباتها، ويجعل النصوص تقول ما لم تكن تجرؤ على قوله.”
في زمن كثُر فيه القول وقلّ فيه العمق، يأتي علي سرمد ليذكّرنا بأن النقد الحقيقي ليس مراجعة لما كُتب، بل اكتشاف لما كان ينبغي أن يُقال.