الصحافة والأدب.. العزلة والتقارب

 

عبد الكريم إبراهيم

الأدب والصحافة وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما. ورغم تعدد التخصصات الأكاديمية الحديثة في مجالات الإعلام، فإن الأدباء من شعراء، قصاصين، ونقاد ظلّوا يشكّلون العمود الفقري للعديد من المؤسسات الصحفية، سواء في بلداننا العربية أو في الدول ذات البنية الإعلامية المتقدمة. ويعود ذلك إلى ما يتمتع به الأديب من ثقافة عميقة، وحس لغوي رفيع، ومهارة مميزة في صياغة الكلمة وتوصيل المعنى بسلاسة .

السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن توظيف العلاقة بين الصحافة والأدب بطريقة تكمّل أحدهما الآخر؟

في الأساس، ينبغي أن تقوم العلاقة بين الأديب والمؤسسة الإعلامية على الاحترام المتبادل، ضمن إطار مهني واضح، يمنح الأديب حرية التعبير دون قيود مفروضة أو توجهات قائمة على الذوق الشخصي. فالمؤسف أن بعض الأقلام، بمجرد تفضيلها لنمط أدبي معين كالشعر العمودي مثلاً، تحاول فرضه كقاعدة، متجاهلة بقية الأجناس الأدبية كالشعر الحر وقصيدة النثر، مما يؤدي إلى عزلة أو حتى قطيعة بين المؤسسة وبعض المبدعين .

هذا النوع من الاحتكار الأدبي يشكّل خطرًا على التنوع الثقافي داخل المؤسسة الصحفية، ويضعف من حضور أصوات مهمة، فقط لأنها لا تتماشى مع ذائقة القائمين على النشر. وهنا يأتي دور الوسيلة الإعلامية في التحرر من الانطباعات الشخصية والميول الفردية، والعمل على نقل النتاج الأدبي بمهنية وموضوعية .

من مظاهر الخلل أيضًا الخلط بين مفهومي الأدب والثقافة. فكثير من وسائل الإعلام تنشر في صفحات الأدب أخبارًا عامة عن وزارة الثقافة، حتى لو كانت عن دورة حاسوب أو فعالية إدارية، لمجرد ورود كلمة “ثقافة” في الخبر! هذا الخلط ناتج عن غياب الوعي التحريري، وضعف الخلفية الثقافية لدى بعض القائمين على هذه الصفحات، الذين غالبًا ما ينفذون تعليمات دون قناعة، مما يعمّق فجوة العزلة بين الوسط الأدبي والجهات الإعلامية .

من الأسباب الأبرز التي ساهمت في اتساع الفجوة بين الأديب والصحافة، الاعتماد المفرط على الإنترنت، وتحول بعض المؤسسات إلى ما يشبه ماكينات النسخ. إذ تُوزّع المادة الأدبية على أكثر من جهة إعلامية، فتنشرها كما وردت دون تدخل أو لمسة تحريرية، ما يجعل الوسيلة مجرد ناقل لا يتمتع بأي خصوصية أو تفاعل. وبهذا، تنقسم المؤسسات الإعلامية إلى نوعين :

الأول، يسعى لاستقطاب الأقلام وصناعة محتوى أصيل، والثاني، يكتفي بإعادة تدوير المواد المنشورة سلفًا .

لكي تزدهر العلاقة بين الأدب والصحافة، لا بد من إعادة النظر في آليات العمل الصحفي الثقافي، وبناء جسور تواصل حقيقية قائمة على الاحترام والتنوع والتجديد. لا أحد يمتلك الحقيقة الأدبية المطلقة، والصحافة التي تحتكر الذوق أو تفرضه على الآخرين، إنما تحكم على نفسها بالعزلة، وتخسر بذلك جمهورًا واسعًا من المبدعين والمتلقين على حد سواء

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا