محمد علي محيي الدين
من مدينة الحلة، المدينة التي تعانق الفرات وتنهض من بين نخيلها حكايات الطين والحبر، خرج إياد كاظم السلامي، طفلًا يطرق أبواب الفن، ويخوض في ظلال المسرح وهو لم يزل في أول الطريق. هناك، في محلة الجامعين، وُلد عام 1961، وهناك اكتملت ملامح العاشق الذي وجد في الخشبة وطنًا لا يُقيد، وصوتًا لا يُقمع.
أكمل دراسته في الحلة، ثم قصد بغداد، عاصمة الفكرة والضوء، ليلتحق بكلية الفنون الجميلة ويتخرج فيها سنة 1983، حاملاً معه حزمة أحلام لم تكن لتكفيها حقائب المسرح وحده. عاد إلى مدينته مدرسًا، ومشرفًا تربويًا، ومديرًا للنشاط المدرسي، لكنه لم يكن موظفًا يؤدي واجبًا رتيبًا، بل كان فنانًا يبث الروح في كل كرنفال، ويفتح للنصوص شبابيك الحلم.
سعى في طريق البحث، فأكمل دراسته العليا، ونال الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة بابل، وهناك بدأ وجهه يتبلور بين الأكاديميا والمسرح، لا يفصل بين النظرية والتطبيق، ولا يكتفي بمكان واحد، بل كان يتنقل كأنه شعلة تبحث عن مشهد جديد.
شارك في أكثر من خمسين لجنة تحكيم عربية وعراقية، وكتب أبحاثًا ألِفتها المؤتمرات والمجلات، وكان وجهًا حاضرًا في كل مهرجان له صلة بمسرح الطفل أو مسرح الشارع أو المسرح الأكاديمي. لا يُذكر مهرجان، ولا تُعقد ورشة، ولا يُقام ملتقى في العراق أو خارجه، إلا وكان إياد السلامي أحد فرسانه أو صُنّاع ملامحه.

لكن ما يميّز السلامي حقًا، ليس عدد مشاركاته، بل روح المشروع الذي يحمله في قلبه. مشروعه الذي يدمج الحلم بالعلم، ويجعل من الطفل بطلًا، ومن النص ساحة حوار مع الذاكرة والواقع والأسطورة. لقد كتب عن “بنية الحلم”، و”الميثولوجيا”، و”الومضة العجائبية”، وكأنما كان يمشي بين النصوص كمن ينصت إلى خيالٍ سريّ يمر بين السطور.
يقول أحد النقاد العرب عن كتاباته:”السلامي يكتب عن المسرح كمن عاش داخله، لا كمن يراقبه من بعيد. وهو، حين يتحدث عن النص، كأنه يتحدث عن كائن حيّ تنفس أمامه.”
أما زملاؤه في الجامعات والمهرجانات، فيرونه عقلًا متوقدًا لا يعرف الكسل، وضميرًا نقديًا لا يلين. جمع في شخصه الدقة الأكاديمية وشغف الفنان، فكان مثقفًا ميدانيًا، لا يؤمن بالبرج العاجي، بل بالنزول إلى الساحة، إلى الورش، إلى العروض، إلى هموم الطالب وأحلام الطفل وهمسات الجمهور.
أخرج أكثر من خمسة أوبريتات لكرنفال محافظة بابل، وأخرج مسرحيات قُدّمت على أهم مسارح العراق، وكان دائمًا يرى أن الإخراج ليس فقط ترجمة للنص، بل بناء لعالم موازٍ، فيه من الواقع ما يجرح، وفيه من الحلم ما يُشفي.
في مؤلفاته، كما في شخصه، اتساق واضح: لا ضجيج، لا ادعاء، بل صبر ومثابرة ووعي. لهذا استحق احترام الأكاديميين كما احترمه الفنانون، وأصبح مرجعًا في المسرح الطفولي، وفي قضايا المسرح المعاصر، وفي تحليل النصوص، وتدريب الأجيال.
إن إياد السلامي ليس باحثًا عابرًا في سجل الثقافة، بل واحد من أولئك الذين يصنعون ذاكرة المسرح، لا بالكلمات فقط، بل بالفعل، وبالأثر. رجل منح المسرح عمره، ومنح الحلم مسرحه، وترك في كل جامعة، وفي كل مهرجان، بصمة لا تُمحى.