هشام العيسى شاعر يوقظ المعنى، وباحث ينقّب في جمر اليقين

محمد علي محيي الدين

ليس من السهل أن تكتب عن شاعر كُتب عليه أن يُقسم نفسه بين قلق الشعر ونوازع الفكر، بين حرارة القصيدة وحرائق الأسئلة الوجودية. فهشام عمران عيسى المسعودي، ابن الإسكندرية العراقية، ليس شاعراً فحسب، بل هو ذلك الصوت الذي لا يكتفي بنظم القوافي، بل يشقّ طريقه أيضاً في تضاريس المعتقد والدين والتاريخ، باحثاً عن ضوءٍ في ظلمة التأويل، أو صيحة في صمت الإجماع.

ولد سنة 1959 في تلك البقعة النائية من محافظة بابل، وابتدأ رحلته من مدارسها، متنقلاً بين الدراسة والعمل، حتى استقر به المقام لاحقًا في عمّان، حيث نال شهادة الماجستير في “السيو اجتماعي”، وهو تخصص يُشير سلفاً إلى ميوله التحليلية وإحاطته ببنية الفكر الاجتماعي والديني.
لكن هشام العيسى لم يشأ أن يكون مجرد حامل شهادة، بل أراد أن يكون شاهدًا على العصر، وصوتًا يخترق رتابة الخطابات المكرورة. نشر قصائده في الصحف والمجلات، وشارك في مهرجانات كبرى، أبرزها مهرجان المربد ومهرجان “عمان عاصمة الثقافة”، فكان حضوره الشعري يرافقه دوماً سؤال مقلق: ما الذي يمكن أن تفعله القصيدة إذا لم تكن شجاعة؟

الشاعر الذي خرج وحده
“أنا الخارج الوحيد”، يقول هشام في عنوان إحدى مجموعاته الشعرية، وكأنه يعلن عن نفسه كاستثناءٍ منذ اللحظة الأولى. فمن عناوينه الأخرى “مساؤك المهر” و”الساقط من جراء الكلام”، ندرك أنه شاعر لا يهادن اللغة ولا يتزلف للمعنى. إنه يخرج من السرب لا ليعارضه عناداً، بل لأنه يرى ما لا يراه غيره في نص الحياة ونص الكتابة..
نصوصه الشعرية تمزج بين الرؤيا والتجربة، بين الذات والوجود، بين الشاعر المفجوع والناقد الذي يتقن التفكيك دون أن يقع في متاهات الغموض المفتعل. يكتب العيسى شعراً يعرف طريقه إلى الجوهر دون حاجة للتزويق، فهو مؤمن أن الحقيقة في عريّها أبْهى من الزخرف.

الناقد الذي فكك قداسة المسلمات
ولئن كانت قصيدته عصيّة على التصنيف، فإن كتاباته النقدية أكثر جرأة، بل أكثر افتتانًا بالمخاطرة. في كتابيه “الإلهام والإيهام” و”التحولات”، يخوض هشام العيسى مغامرة فكرية تنأى به عن منطقة الراحة، ليقتحم حقل الألغام في الفكر الديني. فهو لا يكتب بلغة المؤدلج، بل بلغة الباحث الذي لا يخشى الاصطدام بالحقيقة وإن آلمت.
وقد كتب عنه الناقد الدكتور حسين سرمك حسن بانبهارٍ ظاهر، مشيدًا بمنهجه الحداثي التفكيكي، وبجرأته التي قلّ أن تجد نظيرًا لها في الأدب العراقي الحديث، واصفًا أطروحاته بأنها تهزّ بديهيات العقل الكسول وتستفز المطمئن إلى المألوف.

لم يكن هشام العيسى من أولئك الذين يتوسلون المجاز للهروب من صراحة السؤال، بل كان يكتب بأسلوب مباشر، نابض، ينحت فكرته كما ينحت الشاعر بيت الشعر من صخر التجربة.
كتابه “التحولات” مثال على جرأته الفذة؛ إذ يتناول موضوعات معقدة مثل النبوة، والوحي، والمعجزات، والتناص القرآني، والفرق بين السور المكية والمدنية، ويُحلّلها بعين الناقد المتحرر من سلطة النصوص، لا بدافع التجديف، بل بدافع الفهم والتحقيق. وقد أحسن صنعًا حين مهّد لكتابه باعتذار أخلاقي وفكري، أكد فيه أنه لا يسعى لهدم المقدس، بل لإعادة تفكيكه بعين الباحث الحر، لأنّ الحقيقة ــ كما يراها ــ لا تخاف النقد بل تزدهر به.

آراء النقاد فيه
اتفق كثير من النقاد ممن قرأوا لهشام العيسى على أنه يكتب من منطقة وعية، لا يُجامل القارئ ولا يساير المؤسسة. ولعل أبرز ما يُقال فيه أنه يمتلك شجاعة الكتابة، وهي قيمة عليا لا يجرؤ كثيرون على تبنيها. في وقت يجنح فيه الكثير من الكتّاب إلى التزلف لأهواء السوق أو إرضاء سلطة الإعجاب، يشق العيسى طريقه بمعول الكلمة، رافضاً أن يكون تابعاً أو صدى.
النقد الذي كُتب عنه كان يُشيد برؤيته الجدلية للوجود، وبمحاولته تخليص الفكر من قوالب العادة، وبقدرته على المزج بين التحليل العقلي والإحساس الإيماني. وقد وصفه أحد النقاد بأنه “كاتب يقف على حدود الرؤيا، ثم يُطل منها على المدى ويكتب”، وهذا توصيف يُلخّص طبيعة خطابه الذي لا يهادن، ولا يغوي، بل يصدم ويوقظ.
إن هشام العيسى ليس مجرد شاعرٍ أو كاتب نقدي، بل هو مشروع فكر مستقل، يقف في مفترق الطرق بين الشعر والتفكيك، بين الإيمان والسؤال، بين العزلة والتجلي. رجل يكتب لأنه لا يستطيع الصمت، ويجاهر لأنه لا يستطيع أن يزيّف قناعًا.
هو الخارج الوحيد حقًا.. الخارج من عباءة الأجوبة الجاهزة، والداخل إلى كهف المعنى، حيث لا صوت إلا للصدق، ولا قَسَم إلا لما يؤمن به الضمير الحيّ.

قد يعجبك ايضا