من بلاد الزهور إلى ناوبردان *

 

قصة وترجمة: شَمال آكرَيي

 

بعد أن اعتلّت صحتي قليلا، وجدت نفسي جالسا في غرفة الانتظار بعيادة طبيب الأسرة، أرقب سكون اللحظة وترقّب العيون. كان جميع من حولي من السكان الهولنديين الأصليين، وجوه مألوفة في حي هادئ اعتاد النظام والدقة. العيادة لم تكن سوى جزء من منزل الطبيب نفسه، كما هو الحال في كثير من مناطق هولندا، حيث يحتفظ طبيب الأسرة بسجلات قرابة خمسمئة عائلة من الجوار، ويُعنى بشؤونهم الصحية كافة.
في هذا النظام، لا مجال للزيارة المفاجئة أو الطارئة دون ترتيب مسبق؛ فمن أراد استشارة طبية، عليه أولا أن يحجز موعدا عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، ليتلقى لاحقا توقيتا محددا يتوجّه فيه إلى العيادة، وكأن الصحة هناك لا تُعالج فقط، بل تُدار بعناية كجزء من حياة مدروسة بعناية..
في صباح يوم الإثنين، الثامن والعشرين من كانون الأول/ديسمبر عام 1998، التقطتُ الهاتف واتصلت برقم عيادة طبيب الأسرة. أجابتني موظفة بصوت رسمي، ثم حدّدت لي موعدا في الساعة العاشرة وخمسٍ وأربعين دقيقة من صباح الخميس، السابع من كانون الثاني/يناير 1999. أكثر من أسبوع يفصلني عن المعاينة.
بمنطق شرقيٍّ لم يُدرّب على قدسّية الوقت، حاولتُ بإصرار أن أنتزع موعدا أقرب. لكن الموظفة، التي كانت تزن كلماتها بدقّة باردة، أجابتني: “عذرا، نحن في موسم رأس السنة الجديدة، والعديد من الناس يعانون من الإنفلونزا بسبب البرد، لذلك لا يمكنني تقديم موعد لك”.
وصلتُ إلى العيادة في قبل الموعد المحدد بعشرة دقائق. كانت غرفة الانتظار مرتّبة، يتوسّطها طاولة تفيض بالمجلات والكتب ذات العناوين المتنوعة. الجميع من حولي، باستثنائي، غرقوا في القراءة بهدوء مثير للإعجاب. شعرتُ بنوعٍ من النقص، وكأن العيون لا تراني، بل ترى فراغا غريبا لا يحمل كتابا بين يديه.

بعينٍ قلقة وقلبٍ مندفع، قلّبتُ بين المجلات أفتّش عن أي شيء باللغة الإنجليزية. لم أكن أبحث عن معرفة فحسب، بل عن وسيلة أُثبت بها، ولو لنفسي، أن اللاجئين أيضا مثقفون، يقرأون، ويدركون قيمة الكلمة المطبوعة.
بدأت أتصفّح إحدى المجلات على الطاولة، لكنني لم أتمكّن من تجاوز منتصف الموضوع حتى دخلت السكرتيرة إلى غرفة الانتظار ونادت باسمي:
“السيد كرمانج كوردو، حان دورك لمقابلة الطبيب مارتن بيتر.”
نهضتُ ودخلت الغرفة. كان الطبيب رجلا مسنا، ذو شعر أبيض متناثر ونظارات سميكة كأن عدساتهما قاعدتا فنجان شاي، يجلس على كرسي دوّار بابتسامة ودودة.

 

قال بالهولندية: “Welkom” أي “مرحبا”.
أجبته قائلا: “Dank je wel” – “شكرا لك”.
كانت المفاجأة أن الطبيب لم يبدأ بالسؤال المعتاد عن الأعراض أو الألم، بل بادرني مباشرة:
– هل أنت عراقي؟
– نعم، من حيث الجنسية.
– ماذا تعني؟
– جنسيتي عراقية، لكنني كوردي.
– آه، جميل جدا. تفضل بالجلوس.
جلست، وتوقعت أن يعود إلى صلب الموضوع الطبي، فقلت، مستبقا الأسئلة:
– شكرا مرة أخرى، أيها الطبيب المحترم. منذ أيام، وأنا أعاني من ألم في الكلية اليسرى، يشتدّ في الليل.
ابتسم، وقال بنبرة مختلفة:
– قبل أن نبدأ بالحديث عن مرضك، كيف هي أحوال كوردستان الآن؟
– حسب علمي، لا تزال تهديدات نظام صدام مستمرة.
ثم عاد ليسأل:
– وماذا كنت تعمل في بلدك؟
– كنت أدرس اللغة الإنجليزية، وأحيانا أعمل في مجال الصحافة.
– ممتاز.
– أيها الطبيب، هل لديك معرفة بالكورد؟
– نعم، لقد زرت كوردستان من قبل، ورأيت زعيمكم مصطفى بارزاني عن قرب!
– حقا؟ متى وأين؟
أجاب بابتسامة متأنية:
– القصة طويلة، ولأن لدي ستة مرضى آخرين ينتظرونني، (قالها وهو ينظر إلى لائحة الأسماء على مكتبه) اقترح أن تعود إليّ بعد ساعة. سأدعوك إلى فنجان قهوة، نناقش وأعاين خلاله علاج كليتك، وفي الختام، سأروي لك حكايتي مع مصطفى بارزاني.
– سيكون من دواعي سروري، أن أستمع لقصتك مع القائد الروحي لأمتي. الموضوع يهمني بشدة. سأنتظرك في غرفة الانتظار.
– جيد جدا، إلى اللقاء إذا.
عدتُ إلى مكاني الأول. جلستُ كما كنت، لكن هذه المرة، لم يكن الألم في كليتي حاضرا. بل كان شعور غامر بالكوردايتي يفيض داخلي، مزيج من الفخر والدهشة. كان المشهد كله يبدو لي أقرب إلى مفارقة تاريخية: طبيب هولندي رأى بارزاني بعينيه، وأنا، لاجئ كوردي يبحث عن علاج… أي ثالوث هذا؟ مفاجئ، غريب، ومُفعم بالمعنى.
مددتُ يدي إلى نفس المجلة التي كنت أقرأها قبل دخولي إلى غرفة الطبيب، على أمل أن أستأنف ذلك المقال عن أوضاع اللاجئين في الدول الأوروبية. لكن لا جدوى. مهما حاولت، لم أستطع تركيز نظري أو عقلي على الكلمات. كل ذهني كان مشغولا بما وعدني به الطبيب بيتر، وما سيسرده من تجربة شخصية مع القائد مصطفى بارزاني.
كانت الأفكار تتزاحم في رأسي كأمواج تتدافع بلا هوادة. صحيح أنني كنت طفلا صغيرا في زمن ثورة أيلول المجيدة، لكن ما زالت كلمات جدي، رحمه الله، ترنّ في أذني كأنها قيلت بالأمس، وهو يروي لنا بحماسة بطولات جبل آكرى في عام 1963، ومعركة البيشمركة الأسطورية بقيادة الملا شني، الذي استُشهد حينها.
ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بمشاهد لا تمحى من احتفالات اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970. كانت مدينة آكرى تتراقص فرحا، الناس يملؤون الشوارع، الغناء والدبكات والابتسامات تفيض من الوجوه كأنهم أشرعوا قلوبهم للربيع، هناك أمام سراي آكرى، وفي ساحة حي مَهَت.
ثم جاءت أيام الحرب. في 1974، اندلعت معركة داخل المدينة، بين الجيش العراقي والبيشمركة. أتذكر جيدا يوم ودّعنا جدي، ممسكا ببندقيته القديمة من نوع “برنو”، وهو يغادر البيت برفقة عدد من البيشمركة، ذاهبا إلى المواجهة، لا يعلم إن كان سيعود أم لا.
كل هذه المشاهد، المخبّأة في أعماق الذاكرة، خرجت فجأة من سُباتها، كأنني أشاهد فلما بفلاش باك داخلي، يعرض تفاصيل الطفولة والثورة والوجوه التي رحلت. وبين مشهد وآخر، كنت أردد في داخلي: “يا ترى، ما الذي سيرويه لي هذا الطبيب الهولندي؟”
تلك الساعة التي وعدني بها كانت أشبه بدهر. كل دقيقة منها تمتد وتتلوى كأنها تعاند الزمن. كنت غارقا في الذكريات، تتناوب في ذهني مشاهد الحرب والفرح والوداع والطفولة. ومن بين تلك الصور، قفز مشهد قديم دفين من الذاكرة:
عندما كنت في الخامسة، كان جدي يقود آلة النورج في أطراف آكرى، وهي تدور ببطء بين دواليب الزمن. تُساق بجهد ثورين مسنّين. كنا، أنا وإخوتي وبعض من أطفال الجيران، ننتظر لحظة الركوب على ظهر النورج كما لو كانت سفينة أحلام. كنا نضحك ونصرخ، لكن الثورين، بما بقي لهما من طاقة، يجرّان النورج بإيقاع ثقيل. وكان جدي، بعصاه المصنوعة من شجرة رمان، يلوّح بها تارة، ويضرب بها خفيفا تارة أخرى، علّها تحفّز الثورين على الإسراع، فتدور آلة الحصاد بسرعة تُرضي نزق الطفولة، وتُطلق فينا المزيد من الضحك والبهجة.
ذلك المشهد، الممزوج برائحة الأرض، ودفء يد الجد، وصوت خشخشة الغلال تحت النورج، عاد إليّ كما لو أن الزمن دائرة لا تنكسر. وكانت ساعة الانتظار تلك، رغم بطئها، فرصة لأتلمّس وجهي الحقيقي المنقوش على جدار الذاكرة.
قطع صوت السكرتيرة خيالي المتشابك، وأعادني من أروقة الذاكرة والحنين إلى الواقع الهولندي المنتظم:
“تفضل، حان موعدك مع الطبيب مارتن بيتر.”
نهضتُ ببطء، وكأن قدميّ كانتا عالقتين في مشهد قديم. دخلتُ غرفة الطبيب وعيناي تتفحّصان ملامحه عن قرب. رأيت في وجهه صفاء هولنديا هادئا، ومن ابتسامته لمحت إنسانا يحتفي باللاجئين لا يتعالى عليهم. كان لديّ إحساس قوي أن كل ما سأسمعه بعد لحظات سيستحق أن يُسجّل، بل أن يُنقش على الورق. كنت مستعدا لتخزين كل تفصيلة في ذاكرتي حتى أصل إلى شقتي ذات الغرفتين في الطابق الثالث من شارع “بورهافه” بمدينة أبلدورن، لأكتب كل شيء، كما لو أن الكتابة وحدها ستحميني من النسيان.
قال الطبيب بلطف:
– أنا أشرب القهوة السادة، لكنني أحب أن أرافقها بقطعة شوكولاتة. كيف تحب قهوتك؟
– لتكن مثل قهوتك، من فضلك.
– حاضر.

بدأ يُعدّ القهوة. حركة يديه كانت هادئة، واثقة. أضاف الماء والبن، قلب المزيج، شغّل الآلة، ثم جلسنا ننتظر. لم يستغرق الأمر أكثر من خمس دقائق، لكنه بدا لي دهرا كاملا من الترقّب. وحين صُبّت القهوة، وضع في قاعدة كل فنجان قطعة شوكولاتة صغيرة. لحظة راقية وبسيطة، لكنها مهّدت لمشهد لا يُنسى.
ارتشفنا القهوة، وكأننا نحتسي الماضي من فنجان صغير. لم أنتظر طويلا، لكن الطبيب سبقني وقال:
– من أين تريدني أن أبدأ؟ لقد مضى أكثر من ثلاثين عاما على لقائي ببارزاني، لكن ملامحه وكاريزماه لا تزال حيّة في ذاكرتي.
– أكثر من ثلاثين عاما! إذا التقيت به عام 1966؟
– نعم. كنّا فريقا من الأطباء المتطوّعين. دخلنا العراق عن طريق إيران، وتوجهنا إلى ناوبردان، المنطقة التي كانت محررة وتحت سيطرة البيشمركة، حيث مقر القائد مصطفى بارزاني.
تعلّقت عيناي بكلماته، وقلت بحماس:
– وكم كنتم؟ وما الذي حملتموه معكم للبيشمركة؟
– كنا أربعة: طبيبين وممرضين اثنين. حملنا تسعة صناديق من الأدوية والمستلزمات، معظمها للإسعافات الأولية: ضمادات، شاش، مضادات حيوية، وحقن مضادة لسموم الأفاعي والعقارب، لأننا سألنا مسبقا عمّا يحتاجه البيشمركة.
قاطعته بشغف:
– عذرا أيها الطبيب، لكنني لا أطيق الانتظار… حدثني عن لقائك ببارزاني الخالد، أرجوك!
ابتسم الطبيب وقال:
– علمتُ منذ أن أخبرتني أنك عملت في الصحافة، أنك ستنهال عليّ بالأسئلة! لكن لا بأس، اهتمامك يسعدني.
ثم تابع:
– بعد وصولنا بأيام، التقينا بأطباء الثورة. معظمهم لم يكونوا أطباء حقيقيين، بل ممرضين أو مساعدين طبيين تعلموا من الميدان والمعارك، كيف يُنقذون الأرواح. كانوا أبطالا صامتين، يعملون في ظروف صعبة ويُسابقون الموت.
قلت متسائلا:
– لكن، ألم يكن بين البيشمركة أطباء حقيقيون؟
– سمعت عن اثنين. أحدهما د. محمود… نسيت اسمه الكامل.
– محمود عثمان؟
– نعم، هذا هو. قيل إنه كان خارج ناوبردان وقتها، يرافق وفدا من الصحفيين الأوروبيين. طبيب آخر اسمه أوراها سادة، كان الطبيب الخاص لبارزاني، ويبدو أنه كان بيشمركة مسيحيا محبوبا، لكنني لم أتمكن من لقائه، لأنه كان في إجازة.
سألت بحماس يزداد:
– وكيف رُتّبت لكم اللقاء مع بارزاني؟
– في مساء اليوم الثالث، كنا نجتمع مع أطباء الثورة لننظم دورة تدريبية لبعض البيشمركة ليكونوا مساعدين طبيين. فجأة دخل بيشمركة، ومعه مترجم يُدعى “حسيب”، وهو أيضا من أطباء الثورة ويتقن شيئا من الإنجليزية. قال إن بارزاني يرغب بلقائنا، فنهضنا فورا، نحن الأربعة، ورافقناه إلى هناك…
عندما وصلنا إلى مقر بارزاني، تبادل أحد البيشمركة كلمات سريعة مع زميل له، قبل أن يقودنا الثاني بوقار واحترام إلى الداخل. عند المدخل، استقبلنا بيشمركة آخر، كانت ملامحه حازمة لكن صوته هادئا. قال بإنجليزية مكسّرة:
– “Please, sit here – تفضّلوا، اجلسوا هنا.”
ثم غاب داخل غرفة أخرى.
كانت الغرفة مزدحمة بعدد من البيشمركة، بعضهم جالس والآخر واقف في يقظة هادئة، يراقبون كل تفصيل باهتمام. جلسنا ننتظر اللقاء. قدم لنا أحدهم الماء، ثم أخرج كيس تبغ وبدأ بلفّ السجائر بمهارة لافتة. وزّع علينا كلّا منها، فشكرناه، وأشعل رفاقي سجائرهم، إذ كنا جميعا ندخن في ذلك الحين. أما أنا، فقد وجدت سيجارتي ملفوفة بعناية تكاد تُقنعك أنها من صنع آلة لا يد. وضعتها في علبة سجائري، وأشرت بلطف إلى البيشمركة أنني سأدخنها لاحقا.
عاد من قادنا، وأشار لنا أن نتبعه.
– تفضلوا!
نهضنا، دخلنا غرفة أخرى، حيّينا الحاضرين بتحية رسمية، فرحّبوا بنا بوضع أيديهم على رؤوسهم في لفتة صادقة تمثّل التقدير الكوردي العفوي. في البداية، لم نعرف مَن من هؤلاء هو بارزاني نفسه. لكن في ركن الغرفة، كان رجل كهل، في منتصف الستينات من عمره، منشغلا بلعبة شطرنج مع بيشمركة شاب، وبين أصابعه غليون يتصاعد منه الدخان. حين اقترب منه البيشمركة المرافق لنا وتحدّث إليه باحترام بالغ، فهمنا فورا أن الرجل الجالس أمامنا هو القائد، مصطفى بارزاني.
وقفنا فورا، وانحنينا احتراما، لكنه بادرنا بلهجة حنونة:
– تفضلوا، اجلسوا.
دخل بيشمركة طويل القامة وقال:
– سأكون المترجم.
(للأسف، لم أعد أذكر اسمه).
عرف بارزاني أننا أطباء هولنديون، فابتسم وتحدّث معنا عن هولندا وتاريخها، معلوماته كانت دقيقة، تدل على اطّلاع واسع. ثم انتقل إلى حديثه الأثير: ظلم الكورد في اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، ومعاهدة لوزان 1923. قال بنبرة لا تخلو من المرارة:
– “إن جراح الظلم البريطاني والفرنسي لشعبنا الكوردي عميقة، ولا شفاء منها إلا بالاعتراف بحقوقنا المشروعة. وحدها العدالة الدولية يمكن أن تنصفنا.”

 

أنهى الطبيب بيتر فنجان قهوته، بينما بقي فنجاني باردا في يدي. كنت مشغولا كليا بكلماته، منصتا كما لو أنني أحفظ تاريخ شعبي من بين شفتيه.
ابتسم وقال مازحا:
– أعلم أنكم، أنتم الكورد، لا تميلون إلى القهوة. تفضلون الشاي المحلّى. لو قلت لي منذ البداية، لأحضرت لك الشاي!
أجبته مبتسما:
– صحيح، لكنني كنت مشدودا لحديثك عن بارزاني الخالد، حتى إنني نسيت القهوة تماما. والآن صارت باردة مثل طقس هولندا!
ضحك الطبيب، وهمّ ليحضر فنجانا آخر، لكنني شكرته واعتذرت عن شرب المزيد.
– من الواضح أنني سأطيل الحديث معك أكثر مما توقعت، أرجو أن لا أكون قد أثقلت عليك بأسئلتي.
أجابني:
– إطلاقا، بالعكس، بعد لقائي مع بارزاني ازداد احترامي للشعب الكوردي، وأعتبر أنني صديق له.
قلت بامتنان:
– وشعبنا لا ينسى أصدقاءه، أيها الطبيب المحترم.
واصلت أسئلتي، وقد ازدادت شغفا:
– هل قال لكم بارزاني شيئا محددا قبل مغادرتكم؟
قال الطبيب:
– نعم، قالها بوضوح: “عندما تعودون إلى هولندا، حاولوا أن تكتبوا أو تُوصلوا صوت الكورد إلى العالم، أن تُحدّثوا الصحافة الأوروبية عن قضيتنا، وتُقنعوا الرأي العام بوجعنا، لأن مساعدتكم الإعلامية ستكون سلاحا لا يقل أهمية عن البنادق.”
سألته:
– وكيف فهمتم رسالته؟
أجاب وهو ينظر إلى البعيد:
– فهمنا أن بارزاني لم يكن قائدا عاديا، بل زعيما يعرف كيف يستثمر كل لحظة لخدمة شعبه. كاريزماه، وصدق انتمائه، كانا مدهشين. لم يكن يريد شهرة شخصية، بل كان يرى في كل زائر فرصة لنقل معاناة الكورد إلى العالم.
قلت له:
– وماذا فعلتم بعد ذلك؟ هل كتبتم شيئا؟
قال الطبيب:
– لم نكتب نحن، بل سهّلنا الطريق أمام عدد من الصحفيين الهولنديين والأوروبيين لزيارة كوردستان وإعداد تقارير صحفية. كما شجّعتُ أطباء آخرين على التطوّع وتقديم المساعدات الطبية للثوّار والجرحى في الجبال.
تنهدت، ثم قلت:
– لقد أرهقتك بأسئلتي، سأدوّن كل هذا يوما ما، لعل أحدا يقرأ ويعرف أن القضية الكوردية لم تكن يوما مجرد صراع، بل صرخة حق وكرامة… لكن، لنعد إلى ألم كليتي!
ضحك الطبيب وقال:
– نعم، نعم، ذكريات بارزاني أخذتني بعيدا عن واجبي! سأرسل لك إحالة إلى مستشفى دايكلاندر Dijklander Ziekenhuis لإجراء فحوصات دم شاملة. بعد النتائج، سنعرف ما سبب ألم كليتك.
في طريق عودتي إلى شقتي الصغيرة، كنت أحمل في صدري شيئا لم يكن ألم الكلية وحده، بل شيء يشبه الامتلاء الغامض، ذلك الشعور الذي يخلفه حوار نادر، لا يتكرر كثيرا في حياة المنفى.
كان الهواء البارد يصفع وجهي برقة، وأوراق الأشجار تتساقط كسطور غير مكتملة. توقفت لحظة عند عتبة البناية، نظرتُ إلى السماء الرمادية، وقلت لنفسي: “هذا الطبيب لم يكن فقط رجل طب، بل شاهدٌ نزيه على لحظة من تاريخنا، لحظة أبت أن تُنسى، لأن أحدا كتبها في قلبه أولا، قبل أن تُكتب على الورق”.
جلستُ وأخرجت دفتري، وبدأت أكتب. الكلمات انسابت كما لو أنها كانت تنتظر هذا الموعد منذ أعوام. كنت أكتب لا لأسرد فقط، بل لأحفظ. لأحفظ بارزاني في ذاكرةٍ أوروبية لا تعرفه، وأدوّن أن هناك من عبر القارات ليقول له: “نحن معكم”.
لم أعد أفكر في ألم الكلية. صار ألما عابرا في جسدٍ منهك، أما ذلك الحوار، فكان شفاء آخر، من نوع مختلف. شفاءٌ من العزلة، من شعور اللاجدوى، من الغربة التي كانت تقضمني ببطء.
اليوم، بعد كل تلك السنين، لا أعرف أين صار الطبيب مارتن بيتر، لكني أعلم جيدا أن ذلك اللقاء علّمني شيئا لن أنساه: أن الهوية ليست ورقة، بل لحظة صادقة، تُروى ثم تُورّث. وأن في عالمٍ ينسى كثيرا، هناك من يتذكّر… مثل طبيب هولندي شرب قهوته بهدوء، وتحدث عن بارزاني كما لو كان يتحدث عن صديق شخصي، لا عن أسطورة.
ربما كان ذلك اللقاء بيننا عابرا… لكن بعض اللقاءات العابرة، تترك في الروح ندبة جميلة، أشبه بنقش لا تمحوه الأيام.

*: حازت هذه القصة على المرتبة الأولى في مسابقة “بارزاني الخالد في الإبداع والأدبي والفني”، التي أقامها الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكوردستاني في دهوك احتفاءً بذكرى ميلاد القائد الخالد مصطفى بارزاني. وفي حفل مهيب أُقيم يوم الاثنين الموافق 26 أيار 2025 في قاعة المؤتمرات بجامعة دهوك، أُعلن عن نتائج الدورة الأولى من المسابقة، وذلك في إطار إحياء الذكرى السنوية التاسعة والأربعين لانطلاق ثورة 26 أيار التقدمية الكوردية.

قد يعجبك ايضا