محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، وعلى ضفاف الفرات الهادئ الذي طالما شهد ولادات الشعراء والعشاق، وُلد الشاعر حسين علي عوفي يوم 27 أيلول عام 1956، ليكتب فصلاً آخر من فصول القصيدة العراقية التي لا تخبو جذوتها رغم صخب الحروب وصمت المنابر. نشأته في بيئة مدينة تمتزج فيها الحكمة بالفن، والهدوء بالصخب الخلاق، أسهمت في تكوينه النفسي والإبداعي، لكنه اختار طريقًا غير مألوف في بداية حياته، فالتحق بالكلية العسكرية وتخرج فيها ضابطًا عام 1982، ثم تدرج في الرتب حتى بلغ مرتبة عميد ركن قبل أن يُحال إلى التقاعد، حاملاً معه انضباط المؤسسة وروح الشاعر في آنٍ واحد.

غير أن القصيدة كانت تنتظره عند عتبة التقاعد، وكأن الشعر لم يغادره يومًا، بل ظل كامناً تحت قميص الميدان، مترقبًا لحظة الولادة الأوسع. كتب في المجلات العسكرية حينها، ثم انطلق بعد تقاعده نحو الساحة الأدبية، شاعرًا وناقدًا وفاعلًا ثقافيًا، ليسير بثقة نحو تأسيس بصمة خاصة في المشهد الثقافي العراقي والعربي.
تتوزع مؤلفات حسين عوفي بين الشعر العمودي، وشعر التفعيلة، والنقد الأدبي، وحتى القصيدة الشعبية التي كتبها بأسلوب حسينيّ وطنيّ، مزاوجًا بين الفصيح والعامي، وموقّعًا حضوره بصوته النقي المتمرد على التكرار.
نجد في دواوينه مثل “أسيل”، و*”قلائد الرثاء في حب النبي والأولياء”، و” من ساحة الشجون”، و”بيني ومن عرفت”* مزيجًا من الحنين العرفاني، والرؤية الوجودية، ولغة تتكئ على البيان العربي الكلاسيكي دون أن تفقد معاصرتها. أما ديوانه “ألف قصيدة” فيجزمان باتساع خزينه الشعري وقدرته على مراكمة الصور والرؤى بأسلوب يكشف عن صبر الشاعر ووفائه لفنه.
في موازاة إبداعه الشعري، خاض حسين عوفي حقل النقد، فكتب كتابه “الآلية النقدية في تداول النصوص الأدبية”، واضعًا من خلاله مقاربة تنظيرية لتفاعل النصوص مع القراء، وهو كتاب يعكس انشغاله بالسؤال الجمالي، وبكيفية تلقي الأدب في زمن التحولات الرقمية وتكاثر الذائقات. انتماؤه لاتحاد النقاد العرب لا يأتي من فراغ، بل من وعي منهجي وثقافة تحليلية متجذرة.
لم يكن حسين عوفي شاعرًا عابرًا في دفاتر النقاد. فقد خُصصت له أطروحات ماجستير ودكتوراه تناولت فنه من زوايا مختلفة، من بينها: أطروحة دكتوراه للطالبة هند الدليمي عن “التجديد في الشعر العربي المعاصر”. أطروحة دكتوراه للباحثة فاطمة حفيظ في جامعة الجزائر عن “بين الأصالة والمعاصرة”. أطروحة ماجستير في جامعة آراك الإيرانية بعنوان “الصور الفنية في شعر حسين عوفي”. دراسة د. إيمان مصاروة من فلسطين: “جماليات فنية وأسلوبية في شعر حسين عوفي البابلي”. دراسة سكينة عقيل عن “تجليات الجمال التصويري في الشعر المعاصر”. وقد أجمعت معظم هذه الدراسات على أن شعره يمتاز بـ كثافة الصور، وبلاغة الإيحاء، ومزاوجة واعية بين التراث والحداثة، وأنه ينتصر للقصيدة الحيّة غير المنفصلة عن نبض الناس والهمّ الجمعي.
لم يكتفِ الشاعر بمكانه ككاتب، بل كان فاعلاً مؤسسًا، فهو مؤسس حركة التجديد والتصحيح والابتكار الأدبية، والأمين العام للمنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام، ونائب رئيس جمعية الرواد الثقافية المستقلة. شارك في مهرجان المتنبي، ومهرجان بابل الدولي، ومهرجان النجف العالمي، وحاز على درع الإبداع وبردة الشعر، والعديد من الأوسمة والشهادات من جامعات ومؤسسات أدبية مرموقة.
ما يلفت في تجربة حسين عوفي أيضًا هو قدرته على الكتابة في مجال الشعر الحسيني والشعبي بلغة تنتمي للطور، ووجدان يستحضر المأساة بعين المعاصرة، حتى غدت قصائده تتردد في المنابر والفعاليات العاشورائية، بصوت الذاكرة الجمعية لا الصوت الفردي.
إن تجربة حسين علي عوفي تمثل نموذجًا للشاعر الذي لم يُسْقط الشعر على الحياة، بل عاش الشعر داخل تفاصيلها. هو الضابط الذي ارتقى إلى رتبة القصيدة، والمنظّر الذي لم ينفصل عن صخب القصيدة، والإنسان الذي كتب بقلبه قبل قلمه. تجربة لا يمكن تأطيرها بنمط أو عنوان واحد، بل هي فسيفساء متكاملة من الأصالة، والتجريب، والحضور المتنوع في ساحات الإبداع العربي.