السويداء… الجرح النازف

هل يُعاد رسم مصير الدروز على طاولة بين دمشق وتل أبيب..؟.

مقدمة: الدم حين يصبح أداة تفاوض

في لحظات سقوط الدول، تصبح الجغرافيا سلعة، والهويّات أوراق ضغط. واليوم، في عمق جبل العرب، وتحديدًا في السويداء، ثمة ما يشبه الإعداد المسرحي لمأساة جديدة. هناك شعب يُفرَض عليه أن يختار: إما الخضوع الكامل، أو المصير الغامض.

فهل ما يحدث اليوم مقدمة لصياغة مشهد أكبر..؟. هل الدروز على عتبة مقايضة إقليمية..؟. وإن كان الأمر كذلك، فهل سيكون الكورد الحلقة التالية..؟.

هذا ليس رهابًا سياسيًا، بل تحليل قائم على وقائع تتكشف في الظل… وتنزف في العلن.

أولًا: ما الذي يحدث في السويداء..؟. قراءة في التصعيد الأخير

1. تفكك داخلي برعاية خارجية

على مدار الأشهر الماضية، شهدت السويداء عمليات عنف متقطعة، اتخذت طابعًا غامضًا أحيانًا، ومكشوفًا أحيانًا أخرى. اعتقالات، اشتباكات، تفجيرات، واغتيالات محلية… لكنها ليست بلا سياق.

فصائل أمنية موالية للنظام، وأخرى خارجة عن سيطرته ظاهريًا، تمارس ضغطًا مستمرًا على السكان، تحت ذرائع “ملاحقة المطلوبين”.

لكنّ النتيجة واضحة: ترهيب شعبي وتفكيك لأي بنية مدنية مستقلة.

2. إعادة تفعيل خطاب التخويف: “إما معنا… أو في مرمى النيران”

أكثر من مرة، وُجهت رسائل مبطّنة إلى أبناء السويداء:

> “الحياد خيانة… والمطالبة بالكرامة تُفهم كتمرّد.”

إنه خطاب مألوف، تكرر في دير الزور، وفي ريف دمشق، وفي درعا، والآن… في السويداء.

ثانيًا: السياق الإقليمي… وعودة “هندسة الخرائط”

1. مفاوضات خلف الكواليس..؟.

خلال العام الماضي، تداولت مصادر دبلوماسية وإعلامية تقارير عن لقاءات سرية جمعت مسؤولين سوريين غير رسميين بمبعوثين إسرائيليين في دولة ثالثة.

الهدف.؟. بحث ترتيبات أمنية تخص الجبهة الجنوبية لسوريا، مقابل “تسهيلات اقتصادية”.

في الوقت ذاته، يتردد اسم السويداء كممر محتمل لخطوط طاقة قادمة من شرق المتوسط (مشروع ليفياثان)، في خريطة تقاسم نفوذ تُطبخ على نار هادئة، تشارك فيها تل أبيب وموسكو وآخرون.

2. من الطائفة إلى الجغرافيا: المشروع الخفي

لا أحد يصرّح، لكن السلوك على الأرض يقول إن هناك مشروعًا لتفريغ السويداء من تمردها المتكرّر، وتحويلها إلى “جيب آمن” محايد.

هذا يعني تحييد المعارضة الدرزية… تمهيدًا لعزل كورد سوريا سياسيًا وعسكريًا، وربما إداريًا.

ثالثًا: لماذا الحديث عن الكورد هنا..؟.

1. سوابق تؤرّخ للتواطؤ

المجزرة الضحايا الغاية النتيجة

حلبجة (1988) 5000 كوردي اختبار سلاح كيماوي صمت دولي مطبق
صحنايا (2013) العشرات من المدنيين ضغط على حياد الدروز بدرعا تواطؤ رسمي وإعلامي
عفرين (2018) مئات الكورد اجتياح تركي بتفاهمات إقليمية تهجير جماعي وتغيير ديموغرافي

هل السويداء هي الحلبة التالية..؟.
هل تُستكمل دائرة العنف على حساب الأقليات المستقلة التي قاومت الاصطفاف الطائفي..؟.

2. الكورد في مرمى الحملة التالية..؟.

تصعيد لهجة النظام تجاه الإدارة الذاتية.

تلويح تركي مستمر باجتياح جديد لمناطق كوردية.

غياب الضمانات الدولية بعد انتهاء مهمة “محاربة داعش”.

كل ذلك يشير إلى احتمال أن يصبح الكورد “ورقة تفاوض” لا شريكًا سياسيًا.

رابعًا: خياران أمام الشعوب المهمّشة… المساومة أم المقاومة..؟.

1. الصفقة القادمة: خريطة محتملة

جيب درزي محدود الصلاحيات تحت حماية روسية.

إدارة كوردية بلا أفق سياسي واضح تُستعمل كورقة ضغط.

ضمانات غير مكتوبة لإسرائيل تتعلق بالجولان والطاقة.

2. المقاومة الممكنة: تحالف من الهامش

ربما تكون المفاجأة في ولادة تحالف بين الهامش المهمّش: كورد، دروز، علويون معارضون، فقراء من كل الطوائف.

مشروع لا يعترف بالطائفية، ولا بالحدود المصطنعة.
ثورة الجياع قد تكون أخطر من كل ما سبق.

الخاتمة: حين تنزف السويداء… يُستهدف الكورد

> “عندما سقطت عفرين، صمت كثيرون في جبل العرب. وعندما اشتعلت السويداء، نظر الكورد نحو الشمال فقط.”

هذه اللحظة تضع الجميع أمام خيار تاريخي:

إما أن ننهض معًا، أو يُفرَغ البلد قطعةً قطعةً من قواه الحيّة.

الرسائل الأخيرة:

إلى الدروز: الحياد ليس حلًا. التحالف مع الكورد قد لا يمنحكم النصر، لكنه يحمي الوجود.
إلى الكورد: لا تنتظروا أن تصلكم النيران. أوقفوا الشر وهو يحبو.
إلى العالم: ما يجري في السويداء ليس أزمة داخلية. إنها تجربة إسكات جماعية… تمهيدًا لما هو أكبر.

* ماهين شيخاني.

قد يعجبك ايضا