أحمد الحلي شاعر الواقع المتخيل والمخيال الحي

محمد علي محيي الدين

في الزوايا المضيئة من مدينة الحلة، هناك صوتٌ شعري ظل يتردّد في الأزقة القديمة ويصغي إليه النخل والفرات. شاعرٌ خرج من رحم محلة الجامعين، اسمه أحمد عباس الحلي، لكنه لم يكن مجرد ابن حيٍّ شعبيّ، بل ابن إرثٍ ثقافيّ عريق، نبتت فيه الكلمة كما تنبت الحروف في مخطوطةٍ عاشقةٍ للحبر، حتى غدت حياته سيرة من الشعر، وسيرته شعراً يتقن التواري خلف العبارة البسيطة وهو يضمر دهشة الصورة ودفق الرؤيا.

وُلِد أحمد الحلي في 25 تشرين الثاني من عام 1955، وكبر في قلب الحلة مثل نبتة في تربة خصبة بالأساطير والذاكرة. درس اللغة العربية في كلية الشريعة بجامعة بغداد وتخرج سنة 1980، ليحمل بعد تخرجه عبءَ المعنى ورسالة التعليم معًا، في قاعات المدارس الثانوية أولًا، ثم على أرصفة الثقافة، حيث افتتح مكتبةً في شارع الإمام علي (ع)، تحولت بمرور الأيام إلى منبرٍ ثقافيّ ومرفأٍ للأدباء والمثقفين.

لم تكن سنوات المنفى التي قضاها في سوريا والأردن سوى فصلٍ آخر من فصول الشعر الممتدّ فيه، وهناك كتب، ونشر، وحرّر، وحوّل غربته إلى حبر دافق في صحف المعارضة. وبعد سقوط النظام، عاد إلى العراق ليواصل دوره محررًا ثقافيًا، وصوتًا في الصفحات التي تعبق بالمحبة للغة، قبل أن يعود أيضًا إلى التعليم، مؤمنًا بأن الكلمة لا تكتمل إلا إذا غُرست في عقول الأجيال.

أحمد الحلي بين دفتي الشعر والكتابة
أحمد الحلي شاعر، لكن شاعريته لا تُختصر في الوزن والقافية، بل تنبع من رؤية مركبة تُحسن الإصغاء لما تحت سطح الكلمات. ديوانه تهيجات الصادر عام 1999، كان أولى الإشارات إلى هذا الوعي الشعري الذي لا يستعرض وإنما يغور في الداخل، أما (لي كل هذا فهو) إعلان صريح عن شاعرٍ يكتب من الحياة ولها، ويمنح الواقع ثوبًا من التخييل الراقي، حيث تنقلب التفاصيل اليومية إلى رموز، وتصير التجربة الذاتية مرآة لانفعالات الإنسان المعاصر بأسره.

وفي كتابه جماليات الخط العربي والفنون الزخرفية الصادر في عمّان، تتجلى حساسيته الجمالية، إذ لم يكتف بالحرف بوصفه وسيلةً للمعنى، بل راح يتأمله كجسدٍ مرهف، وكائـنٍ زخرفيٍّ تفيض منه الروح. كما أعاد الحلي إنتاج صورة المدينة في كتابه همنغواي في الحلة، في محاولة فريدة لبناء جسور بين محليّته وتطلعاته الكونية.

صوت نقدي في قلب المشهد
كثير من النقاد أشاروا إلى فرادة صوت أحمد الحلي، أبرزهم الشاعر ساطع الجميلي، الذي رأى في شعره طاقةً “توثق المخيال الجمعي”، وتجعل من القصيدة “وعاءً حاضرًا لاستمرار الوجود كعامل بناء في الروح الإنسانية”. إنها شهادة ليست مجرد احتفاء، بل تأكيد على أن شعر الحلي متجذرٌ في الوعي الجمعي لمدينة بابل، حيث الشعر امتدادٌ لعشتار، وحيث الكلمات تُصاغ من طين الأسطورة ودمعة الإنسان.

في قصيدته منحنيات بيانية، والتي اعتبرها الجميلي من أطول وأغنى قصائد ديوانه، نلمح شاعرًا يدرك كيف يحوّل انفعاله الداخلي إلى خارطة حسية، تقود القارئ بين محطات من الفلك والرؤيا، بين أزمة العاشق ووعيه المتوقد. إنه شاعر يُتقن التوزيع الشعري لحالاته، فتبدو قصائده وكأنها مقاطع موسيقية، تتعاقب فيها العواطف والمجازات، ويتراءى فيها الكون كما يتراءى الحلم لعاشقٍ مرهف.

أما في لي كل هذا، فإن الحلي يكشف عن مشروعٍ شعريٍّ يقظ، يثور على أُطر القصيدة الموروثة دون أن يقطع صلته بها. في هذا الديوان، لا يرفض الشاعر التراث، بل يعيد تشكيله من موقع الحداثة، فيخلق واقعًا “ثانيًا” لا هو من الواقع ولا هو خارجه، واقعًا تتركّب فيه اللحظة الشعرية من عناصر الحياة، لكن بعد أن يُعيدها الخيال إلى نسيجٍ جديد من التوهج.

نهاية مفتوحة لشاعرٍ لا ينتهي
ما زال أحمد الحلي يمارس فعل الكتابة والتعليم، وكأنهما وجهان لعملةٍ واحدة: الكلمة. وقد نشر عشرات المقالات النقدية والأدبية، وشارك في مهرجاناتٍ ثقافيةٍ عديدة، حيث ظلّ وفيًّا لذلك الصوت الداخلي الذي لا يُشبه إلا نفسه. لم يسعَ لأن يكون نجمًا، بل أراد أن يكون صدى، صدىً لما لم يُقَل بعد، لما يُفكّر فيه الناس ولا يقدرون على التعبير عنه.

إن أحمد الحلي، بكل ما كتب ونشر، وبكل ما صمت عنه ولم يُدوّنه بعد، يمثل تجربة شعرية وأدبية لا تستعجل المجد، لكنها تنحت حضورها بهدوء، مثل قطرة ماء في صخرٍ عنيد. شاعرٌ لا يكتفي بأن يرى، بل يعيد تعريف الرؤية ذاتها. ومن الحلة إلى العالم، لا يزال صوته ينبض في القصائد، وفي ذاكرتنا أيضًا.

قد يعجبك ايضا