إحياء الدور السياسي للمفكر العربي

الصحفي حيدر فليح الشمري

يقولون كان المفكر العربي يومًا نبراس أمة ، يضيء الدرب في وجه العواصف ، ويترجم آهات الشعوب إلى رؤى ، والدموع إلى مشاريع نهضة ، لكن شيئًا ما انكسر ، صمت القلم ، خفت الصوت ، وتحول المفكر إلى شاهد على احتضار وطنٍ ، كان يومًا يعوّل عليه لينتشله من أنياب الاستعمار والتبعية والانكسار .

لقد مرّ المفكر العربي بعهودٍ من التهميش ، لم تكن السلطة وحدها من أخرسه ، بل كان الشارع ذاته قد انشغل بما هو أدنى من فكر ، وما هو أسرع من وعي ، انحسر الفكر أمام الصورة ، وذابت الحكمة في زحام التحليل السريع والتدوينات الطائشة ، ومع ذلك فإن بعث الدور السياسي للمفكر العربي لم يمت ، بل تأجل فقد آن لهذا الدور أن يُستعاد ، لا لأن الحاجة إليه باتت ضرورية فقط ، بل لأن غيابه بات كارثة .

السياسة في جوهرها ، ليست حكرًا على الساسة ، بل هي فن إدارة الممكن لصالح الإنسان ، وهنا يأتي المفكر ليتجاوز التكنيك السياسي إلى عمق الإشكال ، فيطرح الأسئلة التي لا يجرؤ السياسي أن يطرحها ، ويخوض في مناطق الشك كي يهدي الناس إلى اليقين ، هو الضمير حين يصمت الإعلام ، والبوصلة حين تتلاعب المصالح بالاتجاهات .

لقد تمكّنت الأنظمة عبر العقود ، من تحويل المفكر إلى موظف في مؤسسات رسمية ، أو أكاديمي في برج عاجي ، أو معارض تُلتقط له الصور لا الأفكار ، وبهذا تم تفريغه من محتواه الرسالي ، لكن المفكر الحقيقي ، ذاك الذي يحمل روحه على كفه ، لا يموت في ظلال السلطان ، بل يولد من رماد المرحلة ، يخرج من المنفى ، أو من سجون الرأي ، أو من صمت المتعبين ، ليقول كلمته التي تهزّ القلوب لا العروش.

إحياء دوره السياسي لا يعني أن يحمل السلاح أو أن ينتمي إلى حزب ، بل أن يكون في مقدمة المشروع النهضوي ، أن يكون صوته فوق ضجيج المصالح ، وأن يعيد المعنى إلى اللغة ، فالأوطان لا تبنى بالبنادق فقط ، بل بالأفكار ، ولا تتحرر بالقوة وحدها ، بل بالوعي ، والمثقف حين يصمت ، يترك فراغًا تمتلئه الأيديولوجيات المتطرفة ، أو الدعاية الممنهجة ، أو اليأس .

إننا اليوم في زمن التزييف ، بحاجة إلى مفكر لا يُجمّل الواقع ، بل يعرّيه ، لا يراوغ في الكلام ، بل يقول ما يجب أن يُقال ، بحاجة إلى عقول لا تخشى المواجهة ، وضمائر لا تخاف من النفي أو النسيان ، فالدور السياسي للمفكر العربي ليس ترفًا ، بل صيرورة ، بل ضرورة تاريخية .
فلنُحيِ المفكر كما يُحيي الشعراء القصائد ، ولنعطه المنبر لا ليتكلم فقط ، بل ليعيد تشكيل العقل العربي ، ليوقظ فينا ما خدرته السياسة طويلاً : الحلم .

قد يعجبك ايضا