في ذكرى ثورة 14تموز : من الاعتراف بالشراكة إلى إعادة إنتاج الإقصاء

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

تمرّ اليوم الذكرى السابعة والستون لثورة الرابع عشر من تموز 1958، الثورة التي أسقطت النظام الملكي في العراق ورفعت شعارات التحرر من التبعية والاستعمار، وأعلنت تأسيس الجمهورية الأولى. غير أن تلك اللحظة المفصلية في التاريخ العراقي سرعان ما تحوّلت من وعدٍ بالتغيير إلى صدمة دامية، فتاريخ الثورة لم يكن مجرد انتقال سلمي للسلطة، بل انطلق من رحم الدم وانتهى إلى تكريس العنف بوصفه لغة السياسة الوحيدة في العراق لعقود قادمة.

على الرغم من شعارات التحرير والعدالة التي رافقت لحظة الانقلاب العسكري بقيادة عبدالكريم قاسم، فإن المشهد الأول للجمهورية الوليدة طُبع بالعنف الصارخ، حين تم إعدام العائلة المالكة بوحشية مروّعة أمام عدسات التصفيق الشعبي. كان هذا الفعل، من حيث لا يدري فاعلوه، بداية لانهيار ركيزة القانون واحترام الإنسان في الدولة العراقية الحديثة.

فتحت تلك اللحظة الباب لانقلابات لاحقة، وأصبحت السلطة مغنماً للدم لا مشروعاً للإعمار. لم يُنجز العراقيون ديمقراطية، ولم ينالوا الحرية، بل دخلوا في حقبة مظلمة من القمع، حيث صودرت الحريات الفكرية والسياسية والثقافية، وأُخضع الشعب لإرادة الزعيم الفرد.

في سنوات ما بعد الثورة، لم يجد العراق استقرارًا سياسياً. انقسمت البلاد بين تيارين متنازعين: الشيوعيون الذين رأوا في الثورة أرضية لتطبيق أفكارهم، والقوميون العرب الذين رأوا فيها فرصة للوحدة العربية. وانتهى هذا الصراع إلى حرب أهلية مصغّرة تجسدت في أحداث ثورة الشواف في الموصل عام 1959، والتي أُخمدت بعنف دموي أسّس لما يُعرف بسياسة “التصفية الجسدية” للخصوم السياسيين.

رغم المناخ الدموي العام، فإن الثورة حملت للكورد بارقة أمل، حيث شهدت تلك اللحظة أول اعتراف رسمي من الدولة العراقية بحقوق الكورد كشركاء في الوطن. تم إطلاق سراح السجناء السياسيين الكورد، وعاد الجنرال مصطفى البارزاني من منفاه الطويل، حيث استُقبل في بغداد بحفاوة قلّ نظيرها، وأُجيز الحزب الديمقراطي الكوردستاني رسميًا، وأُطلقت الصحف الكوردية، وأُسست المديرية العامة للدراسة الكوردية.

كانت تلك أول مرة تُلامس فيها القضية الكوردية مستوىً من الاعتراف السياسي ضمن الدولة العراقية، في لحظة بدا فيها أن شراكة العرب والكورد.
لكن هذه “الهدنة” لم تدم طويلًا. فبعد أن تمكّن عبدالكريم قاسم من سحق خصومه من الشيوعيين والقوميين، التفت إلى الكورد بوصفهم الخصم القادم. تنكر لوعوده السابقة، وأطلق العنان للخطاب العنصري في الصحف الرسمية ضد الكورد، وتوالت حملات الاعتقال ضد النشطاء، وأُغلقت مقرات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وضُيقت الحريات الثقافية الكوردية.

بلغت ذروة العداء بإرسال الطائرات الحربية لقصف منطقة بارزان والمناطق الكورستانية الاخرى، في مشهد صادم يُذكّر بممارسات الاستعمار لا الثورة، رغم أن الجنرال البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني حاولوا بكل الطرق تجنّب الانجرار إلى الحرب، وأرسلوا وفودًا إلى بغداد لتحكيم العقل.

أخطأ عبدالكريم قاسم التقدير، وظنّ أن الكورد سيكونون كما الشيوعيين والقوميين خصومًا سهلين. أطلق الحرب ضدهم معتقدًا أن الحسم العسكري سيكون كافيًا، دون إدراك أن قصف بارزان لن يمرّ كما مرّت المعارك السابقة. وقد كانت النهاية مأساوية له: انقلاب دموي نفذه شركاؤه في الحكم، وتكررت الدورة الدموية، وتوالت الانقلابات، وانهار مشروع الدولة التعددية.

اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يبدو أن عقلية عبدالكريم قاسم لم تغب، بل تتجدد بأدوات جديدة:
• قطع رواتب موظفي إقليم كوردستان.
• فرض الحصار المالي والاقتصادي.
• تهميش الكورد سياسيًا وإعلاميًا.
• إطلاق حملات تضليل ضد شرعية المؤسسات في الإقليم.

كل هذه المؤشرات ليست سوى إعادة إنتاج لنهج الإنكار الذي فجّر الصراع بين عبدالكريم قاسم والكورد، وأدخل العراق في دوامة من الدم لم تنتهِ حتى الآن.

في ذكرى الثورة، لا نحتاج إلى طقوس احتفال أو أناشيد مكرورة، بل إلى مراجعة نقدية لما فعله الزعيم عبدالكريم قاسم، وما تفعله السلطة اليوم. هل سيتكرر المسار ذاته؟ وهل سيدفع العراقيون مجددًا ثمن الغطرسة المركزية والإنكار القومي؟

إن العدالة لا تُبنى بالقوة، ولا تُدار الشعوب بالحصار، ولا يُحكم بلد متعدد القوميات بعقلية التهميش.

لقد آن الأوان للعراق أن يتصالح مع تاريخه، ويصنع دولة تعترف بكل أبنائها، قبل أن يُعيد التاريخ نفسه بمأساة أكبر.

قد يعجبك ايضا