متابعة – التآخي
يلفت خبراء العمران والهندسة، إلى أنهم حذروا من نقائص في سوق البناء في تركيا، جعلت الزلزال كارثة كبيرة حلت بالبلاد.
واستنادا إلى تقارير إعلامية يقول هؤلاء الخبراء، أنهم كانوا يعرفون أن هذا اليوم سيأتي لا محالة. وحذروا من التساهل في تطبيق قوانين البناء، ومن التخطيط العمراني العشوائي، ومن معايير البناء المشبوهة.
وتخرج تركيا اليوم من أنقاض هزة أرضية كبيرة أسفرت عن مقتل أكثر من ٣٨ ألف شخص في تركيا و ٦ آلاف في سوريا على حدودها. وتركت الكارثة البلاد في دوامة من الأسى والحزن.
وتركيا واحدة من أكثر دول العالم عرضة للزلازل، وتكبدت خسائر عالية في الأرواح منذ ٢٤ عاما، إذ كان زلزال وقع في منطقة ازميت في ١٧ آب ١٩٩٨ بمقياس ٧.٦ استمر الحدث ٣٧ ثانية وقتل نحو ١٧ الف شخص وترك وراءه تقريباً نصف مليون شخص بلا مأوى وأصبحت مدينة إزميد منطقة منكوبة.
وبعد ذلك الزلزال الذي كان مركزه مدينة إزميت في الشمال الغربي للبلاد، رفعت السلطات معايير البناء، وشددت القوانين المتعلقة بالعمران، وأقرت التأمينات الإجبارية. وأمرت بتعزيز البناءات التي ظهرت فجأة في ضواحي المدن الكبيرة أو إزالتها تماما.
وكان الرئيس الحالي، رجب طيب أردوغان، وقتها من الأصوات العالية في انتقاد تعامل الحكومة مع الزلازل. وقاد حزبه العدالة والتنمية موجة من الغضب بسبب الكارثة والاقتصاد، وهو ما مكنه من الفوز في انتخابات ٢٠٠٢.
وبرغم الالتزام بتطوير البناء المقاوم للزلازل في البلاد، فإن العارفين بخبايا القطاع يقولون إن مجموعة من شركات الترقية العقارية المتنفذة أصبحت أكثر نفوذا منذ ١٩٩٩. وغلب عندها البحث عن الربح الفاحش على محاذير السلامة العامة.
وتمكنت شركات الترقية من شراء تراخيص البناء المطابقة للقانون، من دون أن تكون كذلك، فأصبح البناء غير القانوني قانونيا، حسب بعض الخبراء، وأصبحت البناءات لا تخضع للمراقبة.
ووضع المهندسون المعماريون مخططات فيها خصوصيات البناء المقاوم للزلازل، ولكن هذا لا يعني أن القائمين على الانجاز كانوا يستعملون المواد الصحيحة، فمن الأرخص بطبيعة الحال استعمال الخرسانة التي فيها حديد أقل، أو مواد بناء من النوعية الرديئة.
ويصاب المهندسون بالصدمة عندما يرون تراخيص بإضافة طوابق جديدة فوق العمارات، أو إضافة مصاعد، حتى تتمكن الشركة من بيع عدد أكبر من الشقق، على حساب السلامة.
ولكن الصدمة الكبرى كانت في الطابق الأرضي الذي يخصص عادة للمتاجر، فيقرر أصحابها إزالة أعمدة في هيكل العمارةمن أجل الحصول على مساحة تجارية أكبر. وهذا ما يجعل العمارات عرضة للسقوط، إذ تصبح كأشجار من دون جذور تشدها إلى الأرض.
فالمهندس المعماري يصمم عمارة بكامل الشروط والمعايير المطلوبة، وبخصائص مقاومة الزلازل، ثم يأتي صاحب المحل التجاري في الطابق الأرضي ويزيل الأعمدة الأساسية، فهذه التصرفات تسببت في الكثير من المآسي، بحسب المعماريين. ويعتقد الخبراء أن الالتزام بالضوابط والمعايير كان سيقلل من عدد الضحايا.
ونفذت السلطات التركية كثيرا من الاعتقالات شملت مقاولين على صلة بمبان انهارت في الزلازل القوية التي ضربت المنطقة الجنوبية الشرقية في تركيا مؤخرا؛ وتعهدت الحكومة بإجراء تحقيق شامل مع أي شخص يشتبه في مسؤوليته عن انهيار أكثر من ٦٤٠٠ مبنى في ١٠ محافظات تضررت من الزلازل التي ضربت تركيا وشمال سورية بشدة. وكان مسؤولون قد ذكروا أنه جرى التعرف إلى أكثر من ١٣٠ مشتبهاً بهم بينما أمرت السلطات باحتجاز ١١٣ شخصاً.
وقال تقرير أنه جرى في اسطنبول اعتقال المشرف على البناء والممثل الفني للشقة التي أطيح بها في مقاطعة غازي عنتاب في وقت مبكر من يوم الزلزال. وأصدر المدعون العامون في ملاطية أوامر اعتقال بحق ٣١ شخصاً على خلفية المباني المنهارة في المدينة. كما ألقت الشرطة القبض على حسن البارغون في جمهورية شمال قبرص التركية بعد انهيار بعض المباني التي بنتها شركة البناء التابعة له في محافظة أضنة الجنوبية خلال عطلة نهاية الأسبوع وفقًا لقوات الأمن.
وألقي القبض على المقاول إبراهيم مصطفى أونكوغلو في اسطنبول بعد أن تبين من الفحص الفني لحطام مبنى سكني في مقاطعة غازي عنتاب إهمالا من قبل شركته. وألقت شرطة إسطنبول القبض كذلك على مقاول آخر، وهو محمد إرتان أكاي، بعد انهيار مبناه خلال زلزال غازي عنتاب، كما أصدر المدعون مذكرة توقيف بحق أكاي بتهمة القتل غير العمد وانتهاكات قانون البناء. كما جرى اعتقال محمد يسار كوشكون ، مقاول مبنى سكني كبير في مقاطعة هاتاي المتضررة بشدة.
وفي وقت سابق احتجزت قوات الأمن كوشكون في مطار إسطنبول بينما كان يستعد لركوب طائرة متجهة إلى الجبل الأسود؛ وقال للمدعين إنه لا يعرف سبب انهيار المجمع، وإن رغبته في الذهاب إلى الجبل الأسود ليست ذات صلة.
وتعهد وزير العدل التركي بكير بوزداغ بمعاقبة أي شخص مسؤول عن انهيار المباني ويقوم المدعون بجمع عينات البناء للحصول على أدلة على مواد البناء. وأعلنت وزارة العدل عن التخطيط لإنشاء مكاتب “للتحقيق في جرائم الزلازل” وتهدف المكاتب إلى تحديد المقاولين وغيرهم من المسؤولين عن أعمال البناء وجمع الأدلة وتوجيه الخبراء والمهندسين المعماريين والجيولوجيين والتحقق من تصاريح البناء والإشغال، بحسب المسؤولين.