مهند الصالح
في عالمٍ تزداد فيه الضوضاء، وتتزاحم فيه التوقعات، كثيرًا ما نجد أنفسنا واقعين تحت ضغط “نظرة الآخرين”، وتقييماتهم، وتعليقاتهم التي قد تتجاوز النقد البنّاء لتصل إلى محاولة تشكيلنا وفق أطرهم الخاصة. وكأنهم يملكون الحق في أن يحددوا لنا كيف نكون، وماذا نظهر، بل وأي صورة تليق بنا. وهنا تنشأ إشكالية عميقة تمس جوهر الهوية والحرية الفردية.
لكل إنسان صورةٌ يصنعها لنفسه. هذه الصورة ليست مجرد انعكاس خارجي، بل نتاج تجربة، وقيم، وقناعات، وتفاصيل حياة لا يراها سواه. ومن الطبيعي أن يصنع لها إطارًا يناسبها، يحفظها، ويمنحها المعنى الذي يريد هو أن يظهره. الصورة ليست محض شكل، والإطار ليس مجرد حدود، بل هما امتداد لصاحبها؛ يختارهما بإرادته، ويعبّر بهما عن ذاته كما يشاء.
إن أكبر ظلم يمكن أن يُمارس على الإنسان هو أن يُفرض عليه كيف يكون، أو يُنتزع منه حق تشكيل صورته الخاصة. فليست مهمتك أن تعدّل إطاري، ولا أن تعيد تلوين صورتي، بل أن تخيّر نفسك بين القبول أو الرفض، دون تعدٍّ أو تحكّم.
الحرية الشخصية لا تعني الانعزال، لكنها تعني الاحترام. أن تحترم اختياراتي، طريقتي في التعبير عن ذاتي، إطاري الذي صممته لنفسي، حتى وإن لم يعجبك، فهو ليس لك. كما أن لك مطلق الحق أن تصنع صورتك كما تشاء، لي نفس الحق أيضًا.
في النهاية، الحياة ليست مسابقة جماعية على أفضل صورة. بل هي فسيفساء فريدة، تتكون من صور متعددة، بإطارات مختلفة، وكل صورة لها خصوصيتها. وجمال العالم في تنوع صوره، لا في نسخها أو توحيدها.