أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
عبر صفحات التاريخ الحديث والمعاصر، تميّزت الحركة التحررية الكوردية باتباع نهج واضح قوامه السعي نحو الحلول السلمية والمفاوضات، كلما سنحت الفرصة لذلك. وعلى الرغم من حجم الظلم التأريخي والحرمان من الحقوق الأساسية الذي لحق بالكورد، فإنهم لم يلجؤوا إلى المواجهة المسلحة إلا بعد انسداد الأفق السياسي، وغياب إرادة الحوار من الطرف المقابل. وفي كل المراحل، أظهرت القيادة الكوردية استعدادًا متكررًا للجلوس حول طاولة الحوار، حتى في أوقات كان فيها ميزان القوة يميل لصالحهم.
منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، وجد الكورد أنفسهم خارج إطار الشراكة السياسية الحقيقية. إلا أن الحركة التحررية الكوردية آثرت في معظم منعطفاتها البحث عن اتفاق يضمن الحقوق القومية والثقافية للكورد، لا الانفصال أو التصعيد.
ففي عهد الرئيس عبد السلام عارف (1963-1966)، ورغم التصعيد العسكري، أبدت القيادة الكوردية تجاوبًا مع الوساطات العربية، بل وشاركت في مؤتمرات ومفاوضات مبدئية. وفي عهد عبد الرحمن عارف (1966-1968)، جرى أول اعتراف رسمي نسبي بالحقوق الثقافية للكورد، ما كان نتاجًا مباشرًا لسياسة المهادنة والانفتاح النسبي التي اعتمدها الطرف الكوردي.
ثم جاء الانفتاح الأكبر في عهد أحمد حسن البكر، الذي أفضى إلى “اتفاقية آذار 1970”، وهي التجربة الأبرز في التاريخ السياسي العراقي من حيث الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للكورد. هذه الاتفاقية لم تكن وليدة ضعف أو انكسار كوردي، بل نتيجة توازن فرضته الوقائع العسكرية والسياسية، ومع ذلك، اختار الكورد التهدئة والانخراط في مشروع بناء مشترك للدولة العراقية.
بعد انتفاضة 1991، وفي وقت كانت فيه قوات البيشمركة تسيطر على معظم المناطق الكوردية، اختارت القيادة الكوردستانية عدم استغلال هذا التفوق لإعلان الاستقلال، بل دخلت في مفاوضات مع القوى الدولية والمحلية لتنظيم الوضع الإنساني والسياسي في المنطقة الكوردية، مما أدى إلى نشوء إدارة ذاتية تحت الحماية الدولية، دون أن يُعلن عن قيام دولة مستقلة.
الأكثر دلالة هو ما جرى بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، حيث قرر الكورد بإرادتهم الحرة المشاركة في العملية السياسية الجديدة، ودخلوا في كتابة الدستور العراقي، وكانوا من أبرز الداعمين لفكرة “العراق الفيدرالي الديمقراطي الموحد”. لم تكن هذه المشاركة استسلامًا، بل خيارًا استراتيجيًا من طرفٍ آمن بالشراكة، وسعى لبناء وطنٍ يجمع الجميع على قاعدة الحقوق والواجبات المتساوية.
العقل السياسي الكوردي، كما تكشفه التجارب التاريخية، ينبني على مبدأ الواقعية السياسية. فالكورد يدركون تعقيدات الجغرافيا السياسية، وحدود الطموح القومي ضمن الإقليم والعالم. لذلك، كانت نظرتهم للحلول دائمًا محكومة بموازين القوى، وبالرغبة في تجنيب الشعب الكوردي ويلات الحرب والنزاع.
ورغم كل الخيبات الناتجة عن نقض الاتفاقيات، والخذلان المتكرر من الأنظمة المتعاقبة، لم تفقد القيادة الكوردية بوصلتها السلمية، ولم تنزلق إلى مشاريع انتقامية. ففي كل مرة يُعرض فيها خيار التفاوض، يسبق الكورد إليه، ولو كانوا في موقع قوة، كما حصل بعد الانتفاضة، أو بعد استفتاء 2017، حيث دعا الإقليم إلى الحوار رغم الحصار والتصعيد.
ما يميز المسيرة التحررية الكوردية هو التزامها الثابت بخيار السلم والتفاوض، في مقابل أنماط متكررة من التنكر للاتفاقات من الجانب المقابل. لقد آمن الكورد بأن مستقبلهم لا يُبنى بالحروب، بل بالشراكات الدستورية والسياسية، وهم بذلك يقدمون نموذجًا لحركات تحررية عقلانية في منطقة تمزقها النزاعات. وليس غريبًا أن تكون مطالبهم دائمًا مؤطرة ضمن “حق تقرير المصير” بوسائل سلمية، لا عنفية، وهو ما يجعل قضيتهم تحظى بشرعية تاريخية وأخلاقية وسياسية لا يمكن إنكارها.