أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
في واحدة من أخطر المنعطفات التي تمر بها العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم منذ عام 2003، يتجدّد الصراع السياسي بين بغداد وأربيل، وهذه المرة يتخذ شكلًا أكثر مساسًا بحياة المواطنين وكرامتهم المعيشية، من خلال استخدام الرواتب كأداة ضغط سياسي. فقرار الحكومة الاتحادية بعدم إرسال رواتب موظفي إقليم كوردستان بصورة منتظمة، أو ربطها بشروط تمس صلاحيات حكومة الإقليم أو تُضعف من بنيتها الدستورية، ليس قرارًا ماليًا فحسب، بل موقف سياسي بامتياز يهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين على نحو يُقوّض مبدأ الفيدرالية الذي نص عليه الدستور.
ومن جانب اخر فإن اختلاف الرؤى بين الأحزاب الكوردية أمر طبيعي في ظل التجربة الديمقراطية، غير أن التهديد المباشر لمصالح الإقليم العليا، لا سيما فيما يتعلق بالأمن المعيشي للمواطنين، يستوجب موقفًا كورديًا موحدًا يتجاوز الحزبية الضيقة نحو رؤية وطنية شاملة.
الرواتب قد تكون بداية الأزمة، لكنها قطعًا ليست نهايتها؛ فأي تراجع في وحدة الموقف الكوردي سيمنح الجهات المتربصة فرصة لمزيد من التهميش وتقويض مكتسبات الإقليم.
من المهم التأكيد على أن الرواتب ليست منحة من بغداد، بل حق دستوري ثابت ومستحق، لا يجوز أن يُخضع لأمزجة السياسة أو لحسابات القوة. حرمان مئات الآلاف من الموظفين من مستحقاتهم المالية بسبب خلافات سياسية، يعد شكلًا من أشكال العقاب الجماعي الذي يتنافى مع أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. فالدولة التي تزعم تمثيل جميع مكوناتها، لا يمكنها أن تميّز بين مواطنيها على أسس جغرافية أو قومية أو سياسية.
لقد أثبتت التجربة العراقية بعد عام 2013، أن الملف المالي لم يعد يُدار بوصفه ملفًا خدميًا، بل تحوّل إلى أداة تفاوضية وورقة ضغط تمارسها بغداد ضد الإقليم. وعلى الرغم من توقيع العديد من الاتفاقيات المالية بين الطرفين، إلا أن الحكومة الاتحادية ما فتئت تعود إلى الأسلوب ذاته: تأخير أو قطع التمويل مقابل تنازلات سياسية أو سيادية، ما أفقد هذه الاتفاقات معناها وأضعف ثقة المواطن الكوردي بمصداقية الدولة.
إن المادة (121) من الدستور العراقي منحت الأقاليم صلاحيات واضحة، شملت الجوانب المالية والإدارية والأمنية، بما فيها الحق في الاحتفاظ بالإيرادات المحلية وتشكيل حرس الإقليم. وإذا كانت هناك خلافات أو تفسيرات متباينة لهذا النص أو ذاك، فإن الحل لا يكون عبر إجراءات عقابية جماعية، بل من خلال الحوار الدستوري البنّاء.
الانقسام الكوردي: تهديد استراتيجي
ما يزيد الموقف خطورة أن بعض القوى الكوردية ما تزال غائبة عن الجبهة الموحدة في مواجهة سياسات التهميش، في لحظة وطنية تتطلب أعلى درجات المسؤولية الجماعية. غياب هذا الصوت في قضية تمسّ كيان الإقليم ومؤسساته الدستورية، لا يمكن تبريره لا بحسابات انتخابية ضيقة، ولا بخلافات داخلية قابلة للحل.
ففي هذه المرحلة الدقيقة، ينبغي أن ترتفع القوى السياسية الكوردية فوق حسابات الربح والخسارة، وتتوحد حول “الحد الأدنى الوطني” الذي يتمثل في حماية حقوق المواطنين وصون كيان الإقليم. فالتراخي اليوم سيكون ثمنه باهظًا، وسيُفقد القوى الكوردية مكانتها التفاوضية أمام خصم يتقن فنون الاستفراد والتفكيك.
الرسالة التي ينبغي أن تُوجّه من كوردستان إلى بغداد واضحة ومباشرة: إن الرواتب ليست امتيازًا يمنح، بل استحقاقًا دستوريًا لا يُساوَم عليه، وإن استخدام الضغط المالي والسياسي لن يؤدي إلى إسقاط تجربة الإقليم، بل سيؤدي إلى توسيع فجوة الثقة والانقسام داخل الكيان العراقي ذاته.
وفي المقابل، فإن القوى الكوردية مطالَبة بإعادة النظر في آليات إدارتها للخلافات الداخلية، وضمان عدم انعكاس تلك الخلافات على حياة الناس وحقوقهم الأساسية. فالموقف الوطني لا يُقاس بالشعارات، بل بالوقوف عند المحكّات الصعبة والانتصار للمواطن أولًا.
الموقف الكوردي الموحد ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في لحظة تحوّل. فإن لم تتوحد القوى الكوردية اليوم على قاعدة الحقوق والدستور، فغدًا سيكون أصعب، وثمن الفرقة سيكون باهظًا. آن الأوان أن تُترجم التجربة الكوردية إلى موقف ناضج يرفض التهميش، ويدافع عن الاستحقاق، ويصون الكرامة.