نشر الكراهية و الطائفية… خطر يهدد السلم المجتمعي

د. يوسف السلوم

في ظل التغيرات المتسارعة في المشهد الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة خطيرة تهدد الاستقرار الاجتماعي والتعايش السلمي، ألا وهي ظاهرة نشر الفيديوهات التي تدعوا الى  الكراهية والطائفية، التي تتسلل إلى العقول وتُغذي الانقسام، وتُحوّل الخلافات السياسية أو الدينية أو الفكرية إلى صراعات مفتوحة لا تعرف سقفًا ولا حدودًا.

و لم تعد الكراهية  والطائفية  تُنشر فقط من خلال خطابات متطرفة أو منشورات ورقية، بل باتت مواقع التواصل الاجتماعي بكل انواعها مسرحًا ومجالاً مفتوحًا لبث السموم الفكرية و النزاعات الطائفية عبر صفحات وهمية أو صفحات شخصية، من خلال نشر مقاطع فيديوهات محرضة للطائفية، ومحتوى مزيف يتلاعب بالمشاعر، جميعها أدوات حديثة تُستخدم لتأجيج الفتن بين أبناء الوطن الواحد.

ويكمن الخطر الأكبر في أن هذه المواد التحريضية تُقدم غالبًا بأسلوب جذاب وعاطفي يمس المشاعر، ما يجعلها أكثر تأثيرًا على الفئات غير الواعية أو تلك التي تعيش في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، مما يخلق بيئة خصبة لتقبل الكراهية والانجرار نحو التطرف.

وأن نشر الطائفية والكراهية هي ليست مجرد خطاب بل مشروع يراد منه تقويض للدولة، وتهديد للسلم المجتمعي، فهي تُقسّم المواطنين إلى فئات وولاءات، وتُضعف مؤسسات الدولة لصالح جماعات ذات أجندات خاصة، مما يُهدد مبدأ المواطنة ويُقوّض أسس الديمقراطية والحكم الرشيد، وقد أظهرت تجارب عديدة في دول المنطقة كيف قادت خطابات الكراهية والطائفية إلى انهيارات أمنية، واندلاع حروب أهلية، ودمار بنى تحتية، وتهجير جماعي للسكان.

إن مكافحة خطاب الكراهية والطائفية يتطلب تفعيل القوانين التي تُجرّم التحريض والعنصرية والطائفية، على أن تُطبق بحزم دون تمييز، حيث نصت المادة (372/1) من قانون العقوبات العراقي رقم111لسنة 1969 النافذ على انه” 1- يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات: أ- من اعتدى بإحدى طرق العلانية على معتقد لأحد الطوائف الدينية أو حقر من شعائرها. ب- من أهان علناً رمزاً أو شخصاً هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية”.

  كما يُفترض أن يضطلع الإعلام بدور مسؤول في تعزيز ثقافة التسامح والحوار، وأن يُفسح المجال للأصوات المعتدلة والموضوعية، لا لمن يُتاجر بالأزمات أو يُثير النعرات.
وفي المقابل ينبغي على المؤسسات التعليمية والدينية أن تؤدي دورها في تعزيز مفاهيم الانتماء الوطني، وقبول الآخر، والتعايش السلمي، وهي القيم التي بدونها لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض أو يستقر ونبذ الطائفية والعنصرية.

وأخيراً فإن نشر الكراهية والطائفية هي ليست حرية تعبير، بل هي جريمة تهدد المجتمعات من خلال هدم السلم المجتمعي في داخل البلد وبين ابناء المجتمع، وإن التحدي اليوم لا يكمن فقط في كشف هذه الخطابات وفضحها، بل في بناء وعي جماهيري يُحصّن المجتمع منها، ويدفع به نحو الوحدة والتماسك، مهما تعددت الهويات والانتماءات، فالتنوع ثراء، والكراهية فناء.

قد يعجبك ايضا