الاهتمام.. لغة الحب التي تحمي الأسرة من الانهيار

 

صباح الصافي

السَّعي نحو توفير بيئة مليئة بالحبِّ والرعاية يقوي الروابط بين الزوجين، ويساعد على تجاوز الصعوبات مهما كانت الظروف؛ لذلك، من الضروري أن يكون هناك وعي مشترك بأهمية الاهتمام المتبادل، وأن يعكف كلُّ طرف على تلبية احتياجات الآخر العاطفيَّة والنفسيَّة، إلى جانب الاحتياجات الماديَّة، وعندما يتحد الزوجان في فهم بعضهما…

الاهتمام المتبادل بين الزَّوجينِ أحد الركائز الأساسيَّة التي تقوم عليها سعادة الحياة الزوجيَّة، ومن أبرز العوامل التي تكفل ديمومة التفاهم والمحبَّة بينهما؛ فحينما نتحدَّث عن الاهتمام في هذا السياق، فإننا نشير إلى قدرة كلِّ طرف من الزَّوجينِ على التَّركيز على الآخر، ومتابعة اهتماماته ورغباته، والعمل على تحقيق راحته النَّفسيَّة والعاطفيَّة؛ فهذا السلوك يخلق بيئة حاضنة للتفاهم والتَّعاون، وتجعل الزوجينِ ينظرانِ إلى الحياة بعين الأمل والتَّفاؤل، حتَّى في أصعب الظروف.

والاهتمام لا يتوقف عند تأمين الاحتياجات المادِّية فقط؛ بل يمتد ليشمل الاهتمام العاطفي والنَّفسي، وهذا ما قد يفتح باب السَّعادة حتَّى في أوقات الشدَّة؛ وعلى سبيل المثال: كثير من النِّساء مستعدات للعيش مع أزواجهن في السَّراء والضَّراء، وفي حالات اليسر والعسر المادِّي؛ ولكن يشترطن أن يكون هناك اهتمام حقيقي من الطَّرف الآخر، حتَّى لو كانت الظروف الماديَّة صعبة. وبالمثل، هناك العديد من الرجال يتطلعون إلى هذا النَّوع من الاهتمام المتبادل؛ حيث يشعرون بالأمان العاطفي والرَّاحة النفسيَّة عندما يجدون في شريكهم هذا الدَّعم والرِّعاية المستمرَّة؛ ولذلك، ونظرًا لأهميَّة الموضوع، سنتناوله ضمن محورينِ:

آثار وعوامل الإهمال

تتمثَّل أهميَّة سلوك الاهتمام المتبادل في كونه حجر الزَّاوية الذي يحمي العلاقة الزوجيَّة من التَّفكك؛ ففي حال فقد أحد الزوجينِ هذا الاهتمام داخل إطار الأسرة، قد يبحث عنه في أماكن أخرى خارج المنزل، ممَّا يعرِّضه للانزلاق في علاقات غير سوية قد تكون بداية للانحراف العاطفي أو حتَّى الاجتماعي. والغريب أنَّ بعض الأزواج، عندما يشعرون بالإهمال أو الفراغ العاطفي داخل حياتهم الزوجيَّة، يتَّجهون للبحث عن التقدير والاهتمام في دوائر أخرى؛ الأمر الذي قد يفتح الباب لعديد من المشاكل والأزمات التي تهدد استقرار الأسرة.

وفي الواقع، إذا نظرنا إلى واقع المحاكم الشرعيَّة أو المدنيَّة، نجد أنَّ كثيرًا من حالات الطَّلاق التي تصل إليها الأزواج غالبًا ما تكون جذرها في الإهمال العاطفي وعدم الاهتمام المتبادل، حتَّى يتراكم هذا الإحساس بالإهمال مع مرور الوقت، ليصبح حاجزًا نفسيًّا صعبًا يعيق التَّواصل الفعَّال بين الزوجينِ، ممَّا ينتهي إلى تصدع العلاقة.

يعتقد العديد من النَّاس أنَّ السَّعادة الزوجيَّة تعتمد أساسًا على توفير الاحتياجات الماديَّة، إلَّا أنَّ الواقع يشير إلى أن المنزل السَّعيد لا يُبنى على ركن واحد فقط؛ وإنَّما على ركنينِ متكاملينِ يعززانِ استقراره وازدهاره:

الركن الأوَّل: الركن المادِّي؛ ويتطلَّب تأمين أسس الحياة اليوميَّة مثل لقمة العيش، والمسكن المستقر، وتلبية الاحتياجات الماديَّة الأساسيَّة الأخرى، ولكن، إذا كان الركن المادِّي ضروريًا لتأمين الحياة المعيشيَّة، فإنَّه لا يكفي بمفرده لضمان السَّعادة الزوجيَّة والاستقرار الأسري.

الركن الثَّاني: الركن الروحي؛ الذي يكونُ أكثر أهميَّة في بناء المنزل السعيد؛ وهذا الركن يتجسَّد في توفير الحبِّ، والعاطفة، والاهتمام المتبادل، والتَّفاهم العميق بين الزوجينِ. ولا يقتصر هذا الركن على تبادل المشاعر الإيجابيَّة فقط؛ وإنَّما يتدخل في تنظيم الركن المادِّي ذاته؛ إذ يسهم في خلق بيئة تشجع على السَّعادة والتَّعاون بين الزوجينِ، ممَّا يساعد على التَّعامل مع القضايا المادِّية بكفاءة وأمانة. ويمكن تشبيه الركن الروحي بالهواء الذي ينعش القلب والبدن؛ فهو العنصر الحيوي الذي يُغني الحياة الزوجيَّة ويضفي عليها الحيوية والتَّواصل العاطفي. وحينما يكون هناك اهتمام وحب متبادل، يصبح الزوجانِ قادرينِ على تجاوز العوائق المادِّية بحلول عمليَّة ومشتركة، وأمَّا إذا فقد هذا الركن تصبح العلاقة فارغة من المعنى، وتفتقد الحياة الزوجيَّة إلى نبضها. كما أنَّ التَّوقف عن تزويد العلاقة بالعاطفة والاهتمام، يشبه توقف نبض القلب، فيصبح كلُّ شيءٍ جامدًا، وتغادر الحياة الزوجيَّة الدفء الذي يدعم استقرارها.

ومن هذا المنطلق، ورد العديد من النّصوص الشريفة التي تبيِّن أهميَّة هذا الركن في الحياة الزَّوجية؛ فالتّعبير العاطفي مهم جدًا في سير الحياة الزّوجية؛ عن الرسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): “قولُ الرّجلِ للمرأةِ أنِّي أحبُّكِ لا يذهب من قلبها أبدًا” (1)؛ ولذا، من الضّروري وجود هذه التَّعابير في الحياة الزَّوجية فهذه الكلمات تبقى في القلب، وينبغي استمرار هذه التّعابير؛ لأنَّ الحياة الزَّوجية إذا خلت منها تصبح مهددة بالسّقوط.

أحياناً يسألني بعض الشَّباب بعد الانتهاء من إلقاء محاضرة أنَّه على علاقة مع امرأة، وحينما أقول له: أذهب واطلب يدها، ولا تقم معها علاقة يسميها البعض: (علاقة عاطفيَّة) فإنَّها من وساوس الشَّيطان وتسويلاته، فاستغرب من جوابه: لا أستطيع.

وحينما أسأله عن السَّبب وفي تصوراتي قد يكون ظرفًا ماديًّا بسبب الفقر أو ما شابه ذلك.

يجيبني قائلًا: إنَّها متزوّجة!

فانصحه بترك ذلك، وإنَّها من المحرمات فيظهر؛ أسفه وحزنه، وأنَّه إذا كان يستطيع فتلك المرأة لا تستطيع؛ والسّبب في ذلك؛ لأنَّ زوجها قد أهملها. وهذا ليس مبررًا لهذا الفعل.

وهكذا بعض الرِّجال حينما نسأله عن سبب انحرافه وسلوكه الفواحش يجيب: زوجتي هي السَّبب، إنَّها مهملة لي، ولا تفكِّر إلَّا في نفسها وأولادها.

إنَّ ضرر الإهمال في العلاقات الزوجيَّة يمتد ليشمل تأثيرات نفسيَّة وبدنيَّة قد تكون أكثر عمقًا وخطورة؛ فعندما يُعاني أحد الزوجينِ أو كلاهما من الإهمال العاطفي المستمر، يتراكم الشعور بالوحدة، والحزن، أو حتَّى الغضب المكبوت، ممَّا يؤدِّي إلى اضطرابات نفسيَّة متعددة مثل القلق، والاكتئاب، أو الشعور بالإحباط العميق. وهذه المشاعر السلبيَّة قد تؤثِّر على الصحة العقليَّة بشكلٍ كبير، ممَّا يجعل الشخص غير قادر على التفاعل بشكل طبيعي مع الحياة اليوميَّة.

ومن النَّاحية البدنيَّة، فإنَّ الإهمال العاطفي قد يكون سببًا في تدهور الصحَّة الجسديَّة، فقد أظهرت العديد من الدراسات أنَّ الضغوط النفسيَّة الناتجة عن الشعور بالإهمال يمكن أن تسهم في حدوث اضطرابات في النوم، ومشاكل في الجهاز المناعي، وأمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، أو حتَّى ضعف الجهاز الهضمي. وهذا التوتر المستمر يُضعف قدرة الجسم على مقاومة الأمراض، ممَّا يسهم في تدهور الحالة الصحيَّة بشكلٍ عام.

إنَّ القاعدة العامة في الزواج هي الاهتمام المتبادل بين الزوجين؛ وأن يسعى كلُّ طرف لتلبية احتياجات الآخر المادِّية والمعنويَّة، ويعمل كلٌّ منهما على إدخال البهجة والفرحة على قلب شريكه، ممَّا يرفع من شعوره بالأمان والطّمأنينة؛ فالرَّجل يحرص على إظهار مشاعر الحبِّ والتَّقدير لزوجته، والمرأة تسعى جاهدة لأن يظهر زوجها أجمل صورة عنها ويشعر بسعادته في كلِّ جوانب حياته؛ والهدف الأساسي من هذا التَّبادل المستمر هو الحفاظ على جمال العلاقة الزوجيَّة وإبعادها عن الرتابة والملل الذي قد يهدد استقرارها.

لكن على الرغم من هذه النيَّة الطيِّبة من الطرفين، قد تظهر بعض العوامل التي تنتج الإهمال وتؤثر سلبًا على العلاقة، ممَّا يعكر صفو الحياة الزوجيَّة؛ ومن أبرز هذه العوامل التي يمكن أن يكون بعضها موجودًا قبل الزواج العادات والتَّقاليد التي لا تحترم المرأة أو التي تضعها في مكانة أقل من الرَّجل، أو حتَّى نشوء المرأة في بيئة لا تهتم بتقدير دور الرجل بالشكل المطلوب. وهذه العوامل قد تزرع في نفس المرأة مشاعر من التردد أو عدم الراحة اتِّجاه دورها في العلاقة الزوجيَّة.

كما أنَّ بعض الزيجات قد تُفرض على أحد الطرفين أو كليهما من دون أن تكون قائمة على اختيار حر، وهو ما يمكن أن يخلق مشاعر من الاستياء أو عدم الرضا العاطفي، ممَّا يؤثر سلبًا على العلاقة ويؤدِّي إلى تراجع الاهتمام المتبادل.

وأيضًا، من العوامل التي قد تدفع إلى الإهمال هي مشاغل الحياة التي أصبحت أكثر تعقيدًا وامتدادًا؛ فقد تأخذ الوظائف أو الأعمال التي يمارسها الزوج أو الزوجة جزءًا كبيرًا من تفكيرهما وطاقتهما، ممَّا يُعرقل القدرة على تخصيص الوقت والاهتمام الكافي للعلاقة. وفي ظلِّ هذه الضغوطات اليوميَّة، قد يشعر كل من الزوجينِ بأنَّ الطرف الآخر قد أصبح بعيدًا عنه عاطفيًّا، ممَّا يتسبب بفقدان هذا العامل الحيوي في بناء أسرة متماسكة وسعيدة.

إنَّ هذه العوامل، إذا لم يتم التعامل معها بحذر ووعي، قد تسبب تراجع مستوى الاهتمام، وبالتَّالي تهديد استقرار العلاقة الزوجيَّة.

 

 

قد يعجبك ايضا