الرقص على حافة الحقيقة: بين الموسيقى والأخبار

د. ابراهيم احمد سمو

قرر هذه المرة أن يخرج من “جلبابه” القديم. لا للمجازفة، بل للخلاص. عقد العزم على أن يقاطع الأخبار، أن يقطع الصلة بكل ما يحدث خارج حدود غرفته. كان قراره أشبه بإضراب داخلي، محاولة لإعادة ترتيب ذاته، لعلّه يفلح في تحقيق وعدٍ قطعه على نفسه: أن يعيش يومًا واحدًا بلا أخبار، بلا صراخ الشاشات، بلا وجوه السياسيين العالقة كالكوابيس في الذاكرة.

في البداية، بدا كل شيء ممكنًا. جلس ساكنًا، يغلق التلفاز، يلتقط كتابًا، يعبث بهاتفه دون أن يفتح أي رابط إخباري. تمر ساعة، ثم أخرى، وثالثة… حتى بلغت عشر ساعات، لكنه بدأ يشعر بشيء غريب يتسلّل إليه. لم يعد يعرف كيف يجلس. جسده يرتجف، قلبه يتململ، والأفكار تدور في رأسه كإعصار صغير. حاول خداع نفسه بأن كل شيء بخير. لكنه، وفي لحظة ضعف، استأذن ضميره ببضع دقائق فقط… دقائق لنشرة أخبار قصيرة!

أمسك جهاز التحكم بحذر، كمن يفتح باب الجحيم ببطء. تظاهر أولًا أنه يبحث عن القنوات الثقافية، ثم الفنية، حتى وصل إلى تلك القنوات التي تتقن الرقص وتُتقن الإغراء البصري، مبررًا لنفسه كل مرة: “حين أستمع إلى الموسيقى وأشاهد الرقص، أغير طبيعتي… أغيّر مسار حياتي.”

وفعلًا، قام من مكانه. ترك الجاذبية تشده نحو الخفة، وبدأ يرقص! رقص كما لو أنه نسي العالم، أو كما لو أنه يحاول نسيانه. تارة يحرّك شفتيه كأنّه يحفظ الأغنية، وتارة يغني، وتارة أخرى يتمايل مع الإيقاع… كان مشهدًا عبثيًّا، أقرب إلى سخرية الوعي من اللاوعي. لكنه بعد ساعة من هذا الانفلات المؤقت، توقف فجأة.

توقف، لا لأنه تعب، بل لأنه اكتشف الحقيقة: كان يكذب على نفسه. يبني واقعًا وهميًا من الرقص والغناء، بينما بداخله بركان أخبار خامد على وشك الانفجار. جلس على الأريكة، متعبًا، منكسرًا. مسح دموعًا لا يدري إن كانت من الألم أم من الضحك على ذاته، ثم أمسك جهاز التحكم من جديد، وعاد إلى الأخبار.

لا جديد. قالت المذيعة: “إسرائيل قصفت، إيران ردّت، والأبصار تتجه نحو ترامب.” وترامب، كعادته، صعد الطائرة ثم نزل منها، ألقى تصريحًا، ثم نفاه، ثم أكده لاحقًا بطريقة عبثية، تشبه شخصيته المتناقضة. يهدد بالحرب، ثم يدعو للسلام، يترك الأطراف تتقاتل حتى تنهك، ثم يظهر كمن يملك مفاتيح اللعبة.

نظر إلى الشاشة طويلًا، ثم سمعها تقول بصوت مبحوح وكأنها تعلن حكمًا أبديًّا: “أنا سيدة العالم!”

كانت الجملة كصفعة أيقظته من كل وهم سابق. عاد فجأة إلى ذاته، إلى تلك اللحظة التي قرر فيها الهروب من الحقيقة إلى رقصة… من وجع الواقع إلى خفة الوهم. لكنه اليوم يدرك أن الرقص لا يغيّر العالم، ولا يُطفئ حرائق السياسة. الرقص مجرد مهرب مؤقت، والموسيقى مجرد مسكن خفيف، أما الأخبار فهي السمّ الذي لا فكاك منه. السمّ الذي يدمنه حتى من يكرهه.

وبين وهم المتعة وحقيقة الألم، بين رقص الشاشات ودموع العجز، قرر أن يضحك… لا سخرية، بل ليمارس نوعًا آخر من المقاومة. ضحك لأنه فهم متأخرًا أن الكذب على الذات أشد قسوة من قسوة العالم، وأن الإنسان، مهما حاول، لا يستطيع أن يعزل نفسه عن صخب هذا الكون

وفي النهاية، رمى الريموت جانبًا، أطفأ الشاشة، وأغمض عينيه… علّه يحلم بعالم أقل صخبًا، تنبع فيه السيادة من صوت داخلي صادق، يفيض إنسانية، لا تقوده الشاشات ولا تمليه العناوين، بل يقوده اليقين بأن السلام يبدأ من الداخل

قد يعجبك ايضا