شَمال آكرَيي
على مدى عقود طويلة، عانى الشعب الكوردي في العراق من سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة التي اتسمت بالتمييز والإقصاء والتنكر للحقوق القومية والثقافية والإنسانية المشروعة. فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن للكورد نصيب عادل في تقاسم السلطة والثروة، رغم أنهم مكوّن أصيل من مكونات العراق، وشريك أساسي في تكوين هويته التاريخية والجغرافية. ولعل أكثر ما كان يميز سياسات تلك الحكومات، سواء كانت ملكية أو جمهورية أو بعثية، هو سوء التعامل الممنهج مع الكورد، والذي لم يكن مجرد فشل إداري، بل نتاج عقلية شوفينية مركزية كانت ترى في كل ما هو كوردي تهديدا لهوية الدولة وسلطتها.
العقلية الشوفينية التي سيطرت سابقا ولا تزال تهيمن بدرجات متفاوتة على من يحكم العراق، كانت ولا تزال تتعامل مع القضية الكوردية باعتبارها ملفا أمنيا أو تمرّدا يجب سحقه، لا قضية قومية مشروعة تستحق الاعتراف والحل الجذري الدستوري. هذه العقلية لم تقتصر على الأنظمة الدكتاتورية كحكم صدام حسين فحسب، يمكن رصد تأثيراتها الممتدة في بعض الأطراف السياسية الحالية، التي لا تزال تنظر إلى الكورد بعين الريبة، وتسعى لتقويض إرادتهم وصلاحياتهم السياسية ومكانتهم الدستورية.
العلاقة بين الحكومات العراقية وحركة التحرر الكوردية لم تكن يوما علاقة ندية قائمة على الحوار والشراكة، بل كانت في الغالب علاقة صراع دموي طويل. بدءا من ثورة أيلول المجيدة عام 1961 بقيادة البارزاني الخالد، حيث رفع الكورد راية المطالبة بالحقوق القومية والإدارية والثقافية، مرورا باتفاقية آذار 1970 التي كانت بارقة أمل لم تلبث أن أُجهضت على يد النظام البعثي، وانتهاء بمآسي الأنفال والقصف الكيمياوي في حلبجة، ظلت السلطة في بغداد تسعى إلى قمع تطلعات الكورد بكل السبل. وخلفت تلك السياسات جراحا عميقة في جسد الشعب الكوردي، لكنها لم تنل من عزيمته.
وعلى الرغم من هذا التاريخ المظلم، فإن القيادة الكوردية، وبفضل حكمتها وحنكة قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، تمكنت من تجنيب العراق ان ينزلق إلى حرب أهلية شاملة قائمة على الحقد العرقي. فثورة أيلول التي قادها الأب الروحي للكورد الخالد مصطفى البارزاني لم تكن موجهة ضد العرب كقومية، بل ضد ظلم الأنظمة، كما أن الرئيس والمرجع مسعود بارزاني ظل يؤكد، في كل محطات النضال، على أهمية التعايش السلمي بين الكورد والعرب، رافضا أي خطاب شوفيني أو انتقامي. لقد أدركت القيادة الكوردية أن الكراهية لا تُبنى بها الأوطان، ولا تُنتزع بها الحقوق، بل تُزرع بها بذور الفتن التي لا تُبقي ولا تذر.
عندما سقط نظام صدام حسين الدموي في عام 2003، ساد شعور عام لدى الكورد أن مرحلة جديدة من التفاهم الوطني بدأت، وأن العراق يتجه نحو دولة فيدرالية ديمقراطية قائمة على التعددية والعدالة والشراكة. ظنّ كثيرون أن من سيحكم بغداد بعد الطاغية، سيكون قد اتعظ من دروس الماضي، ولن يعيد إتباع السياسات الإقصائية نفسها. وبالفعل، شارك الكورد بفعالية وحماس في كتابة الدستور العراقي الدائم، الذي أُقر بنسبة تفوق 80% من الشعب العراقي، وكان من أبرز منجزاته الاعتراف بإقليم كردستان ككيان اتحادي ضمن الدولة العراقية، مع تحديد آليات واضحة لتنظيم العلاقة بين الطرفين، أبرزها المادة 140 الخاصة بالمناطق الكوردستانية خارجة إدارة حكومة أقليم كوردستان.
لكن هذا الأمل سرعان ما بدأ بالتلاشي مع مرور السنوات، حيث بدأت الحكومات العراقية تمارس التماطل والتسويف في تنفيذ بنود الدستور، وخصوصا البنود التي تتعلق بإقليم كردستان. فقد ظلّت المادة 140 معلقة بلا تنفيذ، رغم وضوح نصوصها التي تلزم الحكومة الفيدرالية بإجراء خطوات تطبيع الأوضاع ثم الاستفتاء في المناطق التي تقع خارج إدارة الإقليم، والتي تعرضت للتهجير والتعريب في العقود السابقة. ليس هذا فحسب، بل تكررت محاولات خنق الإقليم ماليا وسياسيا، وصلت ذروتها في القرارات الأخيرة بقطع رواتب موظفي الإقليم، بذريعة حجج واهية تتعلق بالخلافات على الإيرادات النفطية أو إدارة المنافذ الحدودية.
سياسة قطع الرواتب هذه، التي تم تنفيذها بصورة متعمدة ومنهجية، لا يمكن وصفها إلا بأنها سياسة تجويع جماعي، لا تستهدف حكومة الإقليم فحسب، بل تمس حياة ملايين المواطنين الأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم يعيشون في إقليم يطالب بحقوقه الدستورية. ما يزيد الأمر مرارة، أن الحكومة العراقية ترسل مساعدات مالية ضخمة إلى الخارج، إلى غزة ولبنان وغيرهما من الدول، في حين تحرم جزءا من شعبها من أبسط حقوقه، ألا وهي الرواتب، فقط لأن القيادة الكوردية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ترفض الانجرار خلف أهواء أطراف سياسية في بغداد لا تريد إلا إخضاع الإقليم واستغلال القضية الكوردية كورقة انتخابية.
إن ما يُمارس اليوم ضد إقليم كردستان لا يمكن فصله عن السياق العام للعقلية القديمة الجديدة التي ترفض الاعتراف بشراكة الكورد الحقيقية في الدولة، وتستمر في رؤية الحقوق الكوردية كمنحة تُعطى حينا وتُسحب حينا آخر بحسب التوازنات السياسية. لكن ورغم كل هذه الضغوط، فإن القيادة الكوردية لم تتخل عن مبادئها في الحوار والتفاهم، ولم تلجأ إلى التصعيد الذي قد يهدد استقرار العراق ككل. لقد أثبت الحزب الديمقراطي الكوردستاني، برئاسة الرئيس مسعود بارزاني، أنه يتمسك بخيار الشراكة، لكنه في الوقت ذاته لا يساوم على تطلعات وحقوق الشعب الكوردي المشروعة.
في النهاية، تبقى القضية الكوردية في العراق اختبارا حقيقيا للديمقراطية والدستور، ولن يستقيم حال العراق ما لم يتم التعامل مع الكورد كشركاء حقيقيين، لا كأدوات في الصراعات السياسية. كما أن احترام الدستور وتنفيذ بنوده هو السبيل الوحيد لبناء دولة مستقرة وعادلة. أما سياسات الإقصاء والتجويع، فلن تؤدي إلّا إلى تعميق الفجوة، وزعزعة الثقة، وإعادة إنتاج صراعات الماضي التي دفع الجميع ثمنها. وعلى من يحكم في بغداد أن يدركوا أن الكورد ليسوا طارئين على العراق، بل هم سكانه الاصليون، وأن إستمرار تجاهل حقوق الكورد قد يؤدي الى زعزعة وحدة وإستقرار العراق نفسه، قبل أي شيء آخر.