القرارات الطارئة… بوابة الخراب الوطني

نجاح هيفو

كوردستان تحت حصار بغداد المالي: وطن يُعاقَب لأنّه صامد
في عالم السياسة، حين يُستخدم “الخبز” كسلاح، و”الراتب” كأداة ضغط، فلا بد أن نقرع جرس الإنذار. فما يجري اليوم من بغداد تجاه اقليم كوردستان، ليس مجرد خلافٍ مالي أو نزاعٍ إداري، بل هو استهدافٌ صريح لشعبٍ كامل، يسكن الجبال لكنه لم يركع، عاش الحصار لكنه لم يبع هويته، وواجه الموت ليبقى.

قطع رواتب موظفي كوردستان – هذا القرار الطارئ الذي اتُخذ بلا دراسة، وبلا غطاء قانوني أو أخلاقي – هو أكبر من كونه عقوبة جماعية. إنه إعلان صامت لحرب اقتصادية ضد كيانٍ دستوري يُفترض أن يكون شريكًا لا خصمًا. إنه اغتيال سياسي ببطاقة مصرفية مرفوضة.

كوردستان: ذاكرة الجبال وعزيمة الشعوب
منذ عشرات السنين، كانت كوردستان وما تزال مسرحًا لتاريخٍ طويل من التهميش والخذلان والصراع، ولكنها – رغم كل ذلك – بقيت حيّة لا تنكسر. ليست كوردستان بقعة جغرافية تُساوَم على نقود أو ميزانيات، بل وطنٌ له ذاكرة، وشعبٌ له وجع، وقضيةٌ أكبر من الأرقام.

في قلب العواصف الأمنية والاقتصادية، أنشأت كوردستان مؤسساتها، فتحت أبواب جامعاتها، ورفعت راية العمل الطبي والإنساني، واحتضنت مئات الآلاف من النازحين من باقي مدن العراق عندما خذلتهم حكوماتهم.

لم يكن ذلك نابعًا من فائض قوة، بل من فائض إنسانية، ومن وعي تاريخي بأنّ الوحدة الحقيقية لا تبنى على الإخضاع، بل على الاحترام.

بارزاني… رجل الدولة حين يغيب الضمير
وفي هذا المشهد، يبرز اسم القائد مسعود بارزاني كأيقونة للمقاومة السياسية والحكمة القومية. بارزاني الذي خاض معارك التحرير، وسار على درب والده الملا مصطفى، لم يساوم يومًا على حقوق شعبه. لم يُغره كرسي، ولم تُفزعه التهديدات.

في أشد لحظات التصعيد، دعا إلى الحوار، وحين خُذل، رفض الانجرار إلى الفتنة. بارزاني ليس فقط زعيمًا كوردياً، بل رمزًا للقيادة العقلانية في منطقة يغلب عليها صوت المدافع على صوت الحكمة.

الحكومة الاتحادية: حين تسقط الدولة في فخ الانتقام
هل هناك من تفسير لهذا السلوك العدائي غير أنه عقاب سياسي بلباس إداري؟ هل بات الدستور مجرد وثيقة تُنتهك متى ما تعارضت مع الأهواء؟ إن الرواتب ليست مِنّة من الحكومة، بل حق دستوري لمواطني الإقليم، كما هو حق أي موظف عراقي آخر في البصرة أو النجف أو الأنبار.

السكوت عن هذا الجور هو مشاركة فيه. والشعب الذي يسكت عن تجويع أخيه، هو شعبٌ لا يستحق الديمقراطية التي يتغنّى بها. أما الحكومة التي تستخدم المال لإسكات الكرامة، فمصيرها السقوط، لأن التاريخ لا يحفظ إلا المواقف، لا الحسابات.

إلى من يهمه الأمر: كفى استهتارًا بوحدة العراق
إقليم كوردستان ليس كيانًا طارئًا، ولا كائنًا ثانويًا في جسد العراق. إنه شريكٌ في الدم والقرار والمستقبل. وأي محاولة لتهميشه أو تقزيمه، لن تؤدي إلا إلى تقويض ما تبقى من فكرة “الدولة العراقية” التي يحاول البعض تسويقها.

كوردستان ليست فقط منبع النفط، بل منبع الصمود، وموطن من رفض أن يكون تابعًا. فحذارِ أن يدفعكم غرور السلطة إلى إعادة عجلة التاريخ للوراء.

الصوت الكوردي لا يُخنق بالجوع
قد تمنعون الرواتب، قد تحاصرون الإقليم ماليًا، قد تتجاهلون صرخات الأطفال والمرضى والمعلمين، لكنّ كوردستان ستبقى. ستبقى لأنها لم تُبنى على الرضوخ، بل على نُبل التحدي.

وإن لم يتوقف هذا العبث، فلن يكون هناك ضحية واحدة، بل دولة كاملة تُقوّض من الداخل، شعبًا ومؤسسات.

أوقفوا هذا الجنون. أعيدوا للراتب كرامته، وللمواطن احترامه، وللعراق ما تبقى من صورته.

قد يعجبك ايضا