د. محمد طه الهدلوش
ترتبط الهوية بوجود شعور بالانتماء المشترك بين الأفراد الذين يعيشون معاً على إقليم محدد ويخضعون لسلطة دولة ما وحينذاك أيضاً يتولد شعور بين هؤلاء الأفراد بأنهم متميزون عن غيرهم من الجماعات –المجتمعات- الأخرى ويجمعهم الولاء للدولة التي ينتمون لها،وحينذاك تتعزز روح المواطنة ويتنامى الشعور بالانتماء للوطن (الدولة/الأمة).
وعلى ذلك تنشأ هذه الأزمة حينما يضعف هذا الشعور لدى هؤلاء الأفراد، لذا فإن الجهود التي يبذلها النظام السياسي في هذا الإطار تهدف إلى بناء أمة تتسم بالتماسك والانسجام تكون فيه الغلبة للولاء للدولة- الوطن- على حساب الولاء للانتماءات الفرعية الأخرى كالقومية والعشائرية والمناطقية والدينية والمذهبية وما إلى ذلك، ويتحقق ذلك من خلال العمل على خلق جهاز سياسي وإداري يستوعب كل أبناء المجتمع الواحد على اختلاف انتماءاتهم ويضمن لهم حقوقهم بشكل عادل دونما تمييز.
على ذلك يرى بعض المتخصصين بأن إنجاز مهمة بناء الأمة يفضي إلى تحقيق ما يسمى بالإندماج الذي يعرف على أنه:(اندماج شخص أوجماعة في بنية أكبر، أو في نمط سلوك معروف))، والاندماج لايعني الصهر القسري، أو التصيير، أي أن يتخلى الفرد، أو الجماعة عن كل معتقداتهم وتوجهاتهم وحتى انتماءاتهم لتحل محلها معتقدات وتوجهات وانتماءات الجماعة التي يندمجون، بل ينبغي أن يحتفظ هؤلاء بحقهم بما يؤمنون به ويعتزون ويتمسكون بانتماءاتهم،وعلى ذلك نحن نميل إلى تفضيل مصطلح التكامل وليس الإندماج بفعل أن الأول أكثر دقة وملائمة لأن الغاية من إنجاز مهمة بناء الأمة هي تحقيق الإنسجام والتعايش والتلاحم الوطني بين أبناء الشعب الواحد وليس الصهر والإذابة.
وبالمحصلة يفضي التكامل الوطني إلى خلق إجماع وطني ثقافي-إيديولوجي على درجة من الشمول، ومن ثم يسهم في تحقيق تفاعل المواطنين مع بعضهم بصرف النظر عن إنتمائاتهم الفرعية المتباينة وكذا تفاعلهم مع المؤسسات والهيئات المحلية والوطنية، لتحل محل عدد كبير من المؤسسات التقليدية والدينية والطائفية والعرقية والعائلية، ولكن لاتلغيها بل تستوعبها وتحتويها بحيث تحيلها من كونها مصدر للفرقة والتشرذم إلى عناصر دعم ومساندة للنظام الاجتماعي والسياسي.
أزمة بناء الدولة (الشرعية): وتتعلق هذه الأزمة بمدى تحقيق الاتفاق حول شرعية القابضين على السلطة، ويتحقق هذا الأمر عبر آليات وإجراءات بناء مؤسسات الدولة، وفي كثير من الدول المعاصرة – لاسيما حديثة النشأة- تعد هذه الأزمة مشكلة دستورية ذلك لأنها تدور حول تحديد ماهية مؤسسات السلطة المركزية من خلال بيان مكوناتها (المؤسسة –السلطة- التشريعية والتنفيذية والقضائية) وطريقة تشكيلها واختصاصاتها والعلاقة بينها وبين المؤسسات –السلطات- و/أو الهيئات المحلية من الناحية الدستورية، ومدى تجسيدها لمبدأ السيادة الشعبية وسيادة القانون وضمان الحقوق والحريات للمواطنين وتلبية مطالبهم، وكل ذلك يفضي إلى شيوع حالة الرضا والقبول ومن ثم الطاعة والالتزام بتشريعات النظام القائم وإجراءاته.
أزمة التوزيع: تنطوي هذه الأزمة على قدرة النظام السياسي على توزيع المنافع والخدمات بين أبناء المجتمع الواحد بشكل عادل وعلى كل المستويات وسائر القطاعات، وتتباين الوسائل والآليات التي تعتمدها النظم السياسية المعاصرة في مواجهة هذه الأزمة فهناك أنظمة تتدخل بصورة مباشرة لفرض توزيع جديد للملكية – على سبيل المثال في القطاع الزراعي- فضلاً عن السيطرة على التجارة الداخلية والخارجية كما تقوم بنفسها بتقديم الخدمات والمنافع للأفراد والجماعات،وهناك أنظمة تتدخل في مجالات معينة وتترك ما عداها للأفراد والجماعات على أن يقتصر دورها على توفير فرص متكافئة للجميع،وفي كل الأحوال تفضي عملية السيطرة من قبل النظام على مشكلة التوزيع إلى تسريع عملية التنمية على وجه الجملة والتنمية السياسية على وجه التحديد.
ولاريب في أن حل أزمة التوزيع يستدعي أن يكون القابضين على السلطة قادرين على الوصول إلى أبعد نقطة في إقليم الدولة وتقديم ما يمكن تقديمه من منافع وخدمات تسهم في ردم الهوة بين النخبة الحاكمة وعامة الناس،ويتأسس ذلك على بناء جسور الثقة بين الطرفين وتمتين الروابط بينهما،ما يفضي بالنتيجة إلى تحريك الناس باتجاه دعمهم لبرامج التنمية التي يتبناها قادة النظام السياسي.
أزمة المساهمة (المشاركة):المساهمة هي المشاركة الشعبية في بناء مؤسسات النظام السياسي، وما زالت كثير من النظم السياسية المعاصرة تواجه مثل هذه الأزمة، وفي الوقت الذي يزداد عدد المساهمين في هذا الإطار تزداد المطالب التي توجه إلى النظام السياسي ما يفضي إلى ضرورة استجابة الأخير لأكبر عدد ممكن من تلك المطالب،وخلاف ذلك تتعثر مسيرة النظام.