أحمد زبير باني
اليوم، ومع وضع حجر الأساس لجامع بارزاني الكبير، لا تُفتتح صفحةٌ جديدة في سجل المشاريع العمرانية فحسب، بل يُستهلُّ فصلٌ فارق في ملحمة الذاكرة الكوردستانية وهي تبحث عن تجلياتها الخالدة في مديات المكان والزمان. ثمة مشاريع تُبنى لتخدم الحاضر، وأخرى تُشيَّد لتغدو شاهداً أبدياً على روح أمةٍ، وإرث شعبٍ، ورسالة حضارةٍ. ومن هذا الطراز الاستثنائي يأتي “جامع بارزاني الكبير”، الذي يتحول منذ لحظة وضع حجر أساسه إلى أكثر من كتلة معمارية؛ إنه فكرةٌ تتجسد، ورؤيةٌ تتسامى، وذاكرةٌ تُنحت في كبد السماء.
لم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة، بل تضرب بجذورها في رؤيةٍ طرحها دولة رئيس مجلس الوزراء السيد مسرور بارزاني عام 2023؛ رؤية لم تُعامل العمران كضرورة إنشائية، بل كفلسفةٍ حضارية لحفظ هوية الشعوب وصيانة ذاكرتها. فالأمم العظيمة لا تكتفي بتدوين تاريخها في بطون الكتب، بل تُخلده في معالمَ تظلُّ تضجُّ بالقيم، وتنبضُ بالحكايات عبر أطوار الزمن.
واليوم، تخرج تلك الرؤية من أفق الفكرة إلى فضاء الواقع، لتبرهن أن المشاريع الكبرى تُولد حُلماً في ضمير أصحاب الرؤى قبل أن تتشكل واقعاً تراه العيون. وما يضفي على هذه اللحظة جلالاً، أنَّ صرحاً بهذا الطموح لا يمثل إنجازاً عمرانيّاً بقدر ما يجسد إرادةً سياسية وتنموية وثقافية، تؤمن بأن بناء الإنسان وترسيخ الهوية هما عماد بناء المدن والمؤسسات.
إن قيمة جامع بارزاني الكبير لا تُقاس بمقاييس المسافة والارتفاع، بل بمضامينه الإنسانية، والروحية، والوطنية. فهو فضاءٌ يزاوج بين الإيمان والجمال، وبين الأصالة والحداثة، وبين الوفاء للجذور والانفتاح على آفاق المستقبل؛ رسالةٌ معماريةٌ تقول للعالم: إن كوردستان قادرةٌ على صياغة لغةٍ حضاريةٍ تليق بتاريخها.
وفي عالمٍ تذوب فيه الخصوصيات تحت سطوة التحولات المتسارعة، يبرز هذا المشروع فعلاً حضارياً يعيد الاعتبار للهوية دون انغلاق، ويستحضر التاريخ دون أن يأسر الحاضر في أغلاله. إنه بناءٌ يمدُّ يده للماضي ليستمد منه البأس، وإلى المستقبل ليمنحه المعنى، في صورةٍ تعكس ثقة أمةٍ بجذورها، وإيمانها بقدرتها على صناعة غدها.
ولأن الرؤى العظيمة تستمدُّ قوتها من الإرادة، فإن ما يمنح هذا المشروع قداسته هو أنه يُشيد بعقولٍ وسواعدَ كوردستانية خالصة. ففي كل تفصيلةٍ من تفاصيله، تتجلى خبرات أبنائنا، ليكون الصرح شاهداً حياً على ما يمتلكه الإنسان الكوردستاني من قدراتٍ إبداعيةٍ تضاهي المعايير العالمية. هنا، لا يصبح الإنجاز مجرد بناءٍ، بل إعلاناً عن “ثقةٍ بالمبدع”، ورسالةً مفادها أن كوردستان تملك من الطاقات ما يحول الحلم إلى حقيقةٍ راسخة.
هذا المعلم، لن يكون مسجداً للصلاة وحسب، بل فضاءً جامعاً للروح، والمعرفة، والجمال. وكما كانت المعالم الكبرى عبر التاريخ مراكز إشعاعٍ ثقافي، سيكون هذا الجامع منارةً تروي للأجيال قصة شعبٍ تمسَّك بهويته، وصان قيمه، وواصل مسيرته نحو المعالي.
إن “مدرسة البارزاني” -التي اقترن اسمها بالنضال، والكرامة، والتسامح- تجد في هذا المشروع امتداداً حضارياً. فالمكان هنا يحمل إرثاً من المبادئ التي شكلت وجدان أجيالنا، وبذلك، فهو لا يكتفي بحراسة ذاكرة الماضي، بل يؤسس لذاكرة المستقبل أيضاً، ويقدم للأجيال شواهدَ ماديةً على مرحلةٍ قررت فيها كوردستان أن تجعل من الثقافة والهوية ركائز لمشروعها التنموي.
إن الأمم العظيمة لا تُخلدها القوة المادية وحدها، بل قدرتها على تحويل القيم إلى رموزٍ باقية. ومن هذا المنطلق، فإن “جامع بارزاني الكبير” هو مشروع “معنى” قبل أن يكون مشروع “حجر”؛ ومعنىً قادرٌ على أن يعيش أطول من الحجر نفسه. فالحجارة قد تُبليها العصور، أما الأفكار التي تُبنى في وجدان الشعوب فتبقى حيةً متجددة.
هكذا، في يوم وضع حجر الأساس، تبدأ حكاية معلمٍ سيحمل في ملامحه روح كوردستان، وفي رسالته قيم الإنسانية، وفي حضوره ذاكرة أمةٍ قررت أن تنحت تاريخها في السماء. وسيظل هذا الجامع -حين يكتمل- مرآةً لهويةٍ صلبة، وتجسيداً لرؤيةٍ بعيدة المدى، ورسالةً من كوردستان إلى العالم: أن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، وتصون قيمها، وتؤمن بقدرات أبنائها، قادرةٌ على أن تجعل من الحجر حياةً، ومن العمران خلوداً، ومن الحلم حقيقةً تُرى بالعين وتستقر في الوجدان