نوري جاسم
في الوقت الذي تتسابق فيه العواصم العربية والإسلامية لبناء شبكات مترو حديثة، ما تزال بغداد، عاصمة الرشيد، تنتظر مشروعًا أصبح في معظم دول العالم من أساسيات الحياة، لا من كمالياتها.
القاهرة افتتحت متروها عام 1987، فأصبحت أول مدينة في إفريقيا والعالم العربي تمتلك هذا الإنجاز. وإسطنبول واصلت التوسع حتى أصبحت تمتلك واحدة من أكبر شبكات النقل في العالم. ودبي أنشأت متروًا يُعد من أكثر الأنظمة تطورًا وتقنية، والرياض دشنت شبكة حديثة تُجسد رؤية المستقبل، والدوحة سبقت كثيرًا من المدن في بناء منظومة نقل متكاملة، وحتى مدن أخرى في العالم الإسلامي، مثل طهران والجزائر ولاهور، أدركت أن التنمية الحقيقية تبدأ من النقل الحضري.
أما بغداد… فما زالت تقف في طابور الانتظار.
مدينة يتجاوز عدد سكانها الملايين، ويهدر أهلها ساعات طويلة كل يوم في الاختناقات المرورية، ويُستهلك فيها الوقود بلا حساب، وتتلوث أجواؤها، وتضيع أعمار الناس بين شارع وجسر وإشارة مرور، بينما لا يزال مشروع المترو حبيس التصريحات والدراسات والوعود.
إن غياب مترو بغداد ليس مجرد تأخر في تنفيذ مشروع هندسي، بل هو تأخر في رؤية الدولة لمستقبل عاصمتها. فالعواصم الحديثة تُقاس اليوم بكفاءة النقل العام، لا بعدد السيارات في شوارعها، وبقدرتها على توفير الوقت للمواطن، لا بقدرته على تحمل الزحام.
العراق ليس بلدًا فقيرًا في موارده، ولا بغداد مدينة صغيرة لا تستحق الاستثمار. إنها عاصمة دولة ذات تاريخ عريق وإمكانات كبيرة، وكان من المفترض أن تكون في مقدمة المدن العربية في البنية التحتية، لا أن تبقى متأخرة عن مدن بدأت مشاريعها بعد عقود من طرح فكرة مترو بغداد.
إن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه الطبيعي في وسيلة نقل حضارية، آمنة، سريعة، تحفظ وقته وكرامته، وتخفف معاناته اليومية.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من مرحلة الإعلان عن المشاريع إلى مرحلة تنفيذها، وأن تجعل مترو بغداد مشروعًا وطنيًا لا يخضع لتبدل الحكومات أو تبدل الأولويات، بل يكون جزءًا من رؤية استراتيجية لمستقبل العاصمة.
إن التاريخ لا يذكر عدد المؤتمرات التي عُقدت، ولا عدد التصريحات التي أُطلقت، بل يذكر المشاريع التي غيّرت حياة الناس.
ويبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابته منذ عقود:
متى يركب البغدادي أول قطار مترو في مدينته؟