قاسم الأعرجي… رجل الدولة الذي جعل من الحكمة جسراً بين الأمن والوطن

الاستاذ الدكتور نزار الربيعي

في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات وتشتد فيه التحديات، يبرز رجال لا تُقاس قيمتهم بما شغلوا من مناصب، بل بما تركوه من أثر في وجدان الدولة وذاكرة الوطن. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم قاسم الأعرجي بوصفه واحداً من الوجوه الوطنية التي ارتبطت بمسيرة العراق في مرحلة من أكثر مراحله حساسية وتعقيداً.
لقد استطاع الأعرجي أن يقدّم نموذجاً لرجل الدولة الذي يجمع بين الحزم والحكمة، وبين المسؤولية والتواضع. فلم يكن حضوره في المشهد العراقي حضور المسؤول الذي يكتفي بإدارة الملفات، بل حضور الوطني الذي أدرك أن الأمن الحقيقي يبدأ من بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وأن الاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالحوار والعقل والانفتاح على الجميع.
تميزت شخصيته بالهدوء في زمن الصخب، وبالتوازن في زمن الاستقطاب، وبالقدرة على بناء الجسور في زمن الانقسامات. وهذه الصفات ليست مجرد خصال شخصية، بل هي فضائل سياسية نادرة يحتاجها كل مجتمع يسعى إلى تجاوز أزماته وبناء مستقبله. فقد كان يؤمن أن العراق أكبر من الخلافات، وأوسع من الانقسامات، وأن حماية الوطن مسؤولية جماعية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
ولعل ما يميز قاسم الأعرجي أنه لم يتعامل مع المسؤولية بوصفها امتيازاً، بل بوصفها تكليفاً وطنياً. لذلك ظل قريباً من الناس، منفتحاً على مختلف القوى والاتجاهات، حاضراً في المواقف التي تتطلب الحكمة والتعقل، وساعياً إلى تقريب وجهات النظر كلما اشتدت الخلافات. وهذه القدرة على الجمع بين المختلفين هي إحدى أهم صفات رجال الدولة الكبار الذين يدركون أن بناء الأوطان يبدأ من بناء التفاهم بين أبنائها.
إن التجارب السياسية تمر، والمناصب تتغير، لكن ما يبقى هو السيرة الطيبة والأثر الحسن. وقد استطاع الأعرجي خلال سنوات عمله أن يرسخ صورة المسؤول الذي يضع العراق فوق كل اعتبار، وأن يقدم نموذجاً في الإخلاص للمؤسسات الوطنية والعمل من أجل استقرار البلاد وأمنها. ولذلك فإن الحديث عنه لا ينطلق من موقع وظيفي شغله، بل من تجربة وطنية تركت بصمتها في مرحلة مفصلية من تاريخ العراق.
لقد أثبت أن الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تتجسد في خدمة الدولة وحماية مصالحها العليا. وأثبت أن الحكمة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من القوة، وأن الكلمة الهادئة قد تصنع ما لا تصنعه المواجهات. ولهذا استحق احترام الكثيرين من مختلف الاتجاهات، لأنه تعامل مع الجميع بروح الدولة لا بروح الانحياز.
سيبقى اسم قاسم الأعرجي مرتبطاً في الذاكرة العراقية بمعاني الاعتدال والمسؤولية والوفاء للوطن، وسيبقى مثالاً لرجل آمن بأن خدمة العراق شرفٌ لا تحدّه المناصب، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه لوطنه من استقرار وأمل وثقة بالمستقبل.
وإذا كانت المناصب محطاتٍ عابرة في حياة الرجال، فإن المواقف هي التي تصنع الخلود. أما قاسم الأعرجي فقد كتب اسمه في سجل الخدمة الوطنية من خلال مسيرة اتسمت بالحكمة والاتزان والإيمان العميق بأن العراق يستحق من أبنائه أن يهبوه أفضل ما لديهم من جهد وإخلاص وعطاء.
وإذا كان انتقال قاسم الأعرجي إلى موقعه الجديد مستشاراً أمنياً لرئيس مجلس الوزراء يمثل تحولاً في العنوان الوظيفي، فإنه في جوهره يعكس استمرار الثقة بخبرته الطويلة ورصيده الوطني المتراكم. فالدول لا تمنح مواقع المشورة الاستراتيجية إلا للشخصيات التي راكمت معرفة عميقة بتعقيدات الدولة ومفاصلها الحساسة، وأثبتت قدرتها على التعامل مع التحديات الكبرى بعقلانية واتزان. ومن هذا المنظور، فإن تسلّمه هذه المسؤولية الجديدة لا يُنظر إليه بوصفه انتقالاً من موقع إلى آخر فحسب، بل بوصفه استثماراً وطنياً في خبرة رجل عرف دهاليز الملفات الأمنية والسياسية، واكتسب من التجربة ما يجعله قادراً على تقديم الرأي والمشورة في اللحظات التي تحتاج فيها الدولة إلى الحكمة أكثر من حاجتها إلى الخطابة، وإلى البصيرة أكثر من حاجتها إلى الشعارات. إن هذا التكليف الجديد يمثل اعترافاً ضمنياً بمكانته ودوره، ويؤكد أن الكفاءات الوطنية الحقيقية تبقى حاضرة في خدمة العراق مهما تبدلت المواقع والمسميات، لأن القيمة الحقيقية لرجل الدولة لا تكمن في المنصب الذي يشغله، بل في الثقة التي تضعها الدولة فيه، وفي قدرته المستمرة على العطاء والإسهام في حماية المصالح العليا للوطن. بل إن موقع المستشار الأمني لرئيس مجلس الوزراء يمنحه مساحة أوسع لتوظيف تجربته الطويلة في دعم صناعة القرار وتقديم الرؤية الاستراتيجية التي تستند إلى المعرفة والخبرة والتجربة الميدانية، الأمر الذي يجعل هذه المرحلة امتداداً طبيعياً لمسيرته الوطنية، ويمنحها بعداً جديداً عنوانه الحكمة المتراكمة في خدمة الدولة العراقية ومستقبلها.

قد يعجبك ايضا