متابعة – التآخي
يأتي القرار الحكومي الجديد برفع قيمة الدينار العراقي أمام الدولار كإجراء اخير بعد تنامي مظاهر زيادة أسعار السلع والبضائع في السوق العراقية، وتأثير ذلك مباشرة على حياة الفقراء وذوي الدخل المحدود.
وأيد معظم السياسيين العراقيين قرار الحكومة بإعادة النظر في سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، برغم انتقاد هذه الخطوة من قبل بعض معارضي رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، بحسب المراقبين، كما انضم إقليم كوردستان العراق إلى الحكومة الاتحادية في هذا الإجراء.
وقرر مجلس الوزراء الاتحادي، رفع قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار بخفض سعر الدولار من 1470 إلى 1300 دينار.
وتراجعت قيمة الدينار مقابل الدولار في الأشهر الأخيرة اذ اقترب سعر الدولار من 1800 دينار، و أدى ذلك إلى خروج كثير من العراقيين في تظاهرات مطالبين رئيس الوزراء بـ “خفض سعر الدولار”. ودعا السوداني العراقيين إلى عدم الاندفاع لشراء الدولار ، وتعهد بقيام البنك المركزي باتخاذ المزيد من الإجراءات في الأسابيع المقبلة.
وبدأت أزمة العملة العراقية في أعقاب حرمان وزارة الخزانة الأمريكية 14 مصرفاً عراقياً من آلية التحويلات البنكية العالمية المعروف باسم سويفت في محاولة لمنع تهريب الدولار إلى إيران بصورة خاصة، بحسب المتخصصين والمراقبين.
وكان تهريب العملات الأجنبية إلى إيران قد استفحل إلى درجة أن وزارة الداخلية العراقية أعلنت قبل أقل من شهر عن تركيب أجهزة مسح بالأشعة السينية على الحدود لردع مهربي الدولار، بحسب المتابعين. وأدت القيود الأمريكية والرقابة الصارمة إلى خفض كمية الدولارات المعروضة في سوق العملة في العراق وارتفاع سعر صرفه أمام الدينار في السوق السوداء.
كان أحد الإجراءات التي أصر عليها الأمريكيون هو فرض قيود على المزادات اليومية لبيع الدولار الذي يحصل عليه العراق من تصدير النفط. ويحتفظ البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) بجزء من احتياطي العراق من العملات الأجنبية، مما أجبر الحكومة العراقية على الرضوخ للطلب الأمريكي بإنشاء نظام عبر الإنترنت، يتم بموجبه تحديد هوية المستفيد النهائي من عمليات شراء الدولار قبل إتمام المعاملة.
وفي أعقاب تطبيق قيود الخزانة الأمريكية واستمرار أزمة العملة، أعلن رئيس البنك المركزي مصطفى غالب، عن عجزه عن التعامل مع هذه الأزمة واستقال من منصبه. وفي أعقاب ذلك تقرر رفع سعر الدينار العراقي مقابل الدولار. وأعرب الرئيس الجديد للبنك المركزي العراقي عن أمله في أن يخفف قرار الحكومة من الضغط الاقتصادي الذي يعاني منه السكان.
وقد رحبت أطياف متنوعة، بما في ذلك الاحزاب المدعومة من إيران، بهذه الخطوة وفسره البعض على أنها ضربة لمقتدى الصدر ولقاعدته الشعبية، بحسب قولهم.
وظهرت آثار قرار خفض سعر الدولار الرسمي إلى 1300 دينار في السوق السوداء للدولار فوراً، إذ تراجع سعر الدولار إلى أقل من 1500 دينار، في أثناء التصريف.
ويواجه العراق مشكلات اقتصادية متزايدة في السنوات الأخيرة، كما أن معدل البطالة آخذ في الارتفاع ووصل إلى أكثر من 14في المئة وبخاصة بين فئة الشباب اذ أن واحداً من بين كل أربعة شبان عاطل عن العمل ويبحث عن فرصة عمل، بحسب المراقبين.
ووصف عدد من الكتاب قرار رفع قيمة الدينار بأنه “صائب” ويساعد على “تشجيع الصناعة الوطنية”، لكنه يتطلب دعم المنتج الوطني، فيما يرى آخرون أن نتائجه ستكون “فادحة” على المواطن العراقي، فضلا عن موجات التضخم التي سيسببها. وهناك فريق ثالث أشار إلى اقتراحات أخرى مثل “الادخار القسري”، كان من الممكن اتباعها بدل “سياسة التجريب”.
وبدأ البنك المركزي العراقي في الـ20 من كانون الأول ٢٠٢٢ تطبيق السعر المخفض للدينار البالغ 1450 دينارا بدلا من السعر السابق البالغ 1190 دينارا عراقيا لكل دولار أمريكي”.
ويرى كتاب وإعلاميون واقتصاديون أن مثل هذا القرار “يتطلب تواجد صناعة وطنية قادرة على تلبية حاجة السوق وتنافس المستورد”، على حد قولهم، مضيفين أن “هذا القرار جاء بنتائج إيجابية في اقتصادات عالمية، أما في بلدنا فبحاجة إلى وقفة من جميع الجهات المعنية التي يجب أن تعمل باتجاه دعم الصناعة الوطنية ودعم المنتج المحلي”.
ويزيدون بالقول “بما أن قرار خفض قيمة العملة أصبح واقعا، علينا أن ندرك ضرورة دعم المنتج الوطني والمشاريع التي لا تزال قيد الإنشاء لنسرع بعملية الإنتاج الوطني لخلق منتجات وطنية تغني المواطن عن المستورد”، مبينين أن “ما بين الإفلاس وشعارات الإصلاح والصواريخ العابرة للأحياء السكنية، صف طويل من المآسي التي تلاحق العراقيين”، بحسب تعبيرهم.
ويتساءل آخرون “لا ندري كيف تريد الحكومة إقناع الفقراء بأن ثمار رفع أسعار الدولار ستعود عليهم بالمدارس النظيفة والسكن اللائق، والقضاء على البطالة”، منوهين إلى أنه “لو كانت هناك ثمار للإصلاح الاقتصادي، فيجب أن تبدأ هذه الثمار بملاحقة حيتان الفساد الذين يسيطرون على الاقتصاد ومفاصل الدولة، وأن الشعب سيصدق قرار وزير المالية لو أخبره عن مافيات مزاد العملة، الناس يريدون أن يسمعوا حقائق لا خطبا، يريدون أن يطمئنوا على مستقبل أبنائهم لا على مستقبل أعضاء البرلمان والحكومة، يريدون سكنا محترما وضمانا صحيا واجتماعيا ووظيفة مناسبة ومياها نظيفة”، بحسب قولهم.