معد فياض
ايها السياسيون العراقيون هل بلغتكم رسائل العراقيين؟ هل قرأتم تلك الرسائل وفهمتوا مضامينها وجوهرها؟ هل ستتعضون من دروسها المهمة بالرغم من بساطتها؟ اعني تلك الرسائل التي يجسدها العراقيون فعليا مئات او الاف المرات يوميا على ضفاف شط العرب وفي ملعبي جذع النخلة ونادي الميناء الرياضي وفي اسواق وشوارع ومطاعم ومقاهي البصرة.. رسائل لا تقبل التأويل والتفسير والترجمة والشرح والشكوك.. رسائل لم تكتب ولم تقال ولم تُعلن، بل ترجمت عمليا وفعليا بلا لف او دوران، بلا تزويقات لغوية، بلا اخطاء نحوية او املائية، هي رسائل انطلقت من الوجدان والروح والضمير بعفوية نبيلة لا تقبل سوء الظن أو سوء الفهم على الاطلاق.
لم يكن ما حدث، وما يحدث في البصرة معجزة او تمثيلية مفتعلة او تنفيذا لأوامر سلطانية او رئاسية او حزبية، بل على العكس من ذلك تماما.. ما حدث ويحدث في البصرة وببساطة هو ترجمة للروح العراقية النقية الطيبة، وما حدث ويحدث في البصرة إنما يحدث في كل مدينة وقرية عراقية، عربية كانت ام كوردية او تركمانية، شيعية او سنية او صابئية او مسيحية او أيزيدية او كاكائية او زارادشتية.. ما يحدث في البصرة اليوم وبمناسبة اقامة بطولة كأس الخليج العربي، كشف عن النفوس الطيبة للعراقيين كلهم.. ذلك ان من نراهم على شاشات الفضائيات وفي مواقع التواصل الاجتماعي في البصرة هم ليس من البصرة فقط، بل من جميع مناطق العراق، من زاخو حتى الفاو، من اعلى قمم جبال اقليم كوردستان حتى ضفاف الخليج العربي.
مئات الالاف من العراقيين الذين يزدحمون يوميا في كورنيش شط العرب، قالوا في رسائلهم الى المسؤولين والسياسيين والمتسيسين العراقيين: اتركونا وشأننا.. لا نريد تدخلكم في حياتنا.. لا تصادروا حياتنا وحرياتنا وآرائنا ومائنا وزرعنا.. لا تسرقوا ثرواتنا وخبزنا.. لا تسلطوا علينا ميلشياتكم واسلحتكم .. لا تمارسوا دكتاتوريتكم.. لا نريد فتاويكم ونصائحكم وتحريمكم وتحليلكم لاسلوب حياتنا.. دعونا نعيش كما نحن وكما نريد. رسائل واضحة جسدوها بموسيقاهم واغانيهم التي اختلطت فيها موسيقى واغاني الجنوب بالموسيقى والدبكات الكوردية التي رقص على ايقاعها مئات الالاف من اهالي الغربية والفرات الوسط دون ان تحدث ادنى مشكلة او حرشة او شجار.. رسائل لم يلقنها لهم احد ولا دربهم عليها اي ملقن.
العالم كله شاهد وجود مئات العراقيين الكورد بازيائهم التقليدية وهم يرفعون علم اقليم كوردستان يحتضنونهم شباب من البصرة والرمادي والناصرية وبابل وبغداد ويلتقطون معهم صور تذكارية وهم يتقاسمون وضع علم اقليم كوردستان على اكتافهم جميعا الى جانب العلم العراقي ويقولون بلسان وصوت واحد: “أحنا عراقيين ..وعراقنا واحد”.. الكورد لم يذهبوا الى البصرة حسب توجيهات او اوامر حكومية او حزبية، ولم يستعير ابن البصرة او ديالى او النجف علم اقليم كوردستان ليضعه على كتفه ويلتقط صورة معه حسب اوامر او توجيهات عليا، وهؤلاء مجتمعين لم يستقبلوا ابناء الخليج العربي حسب توجيهات، بل فعلوا ويفعلون ذلك بمحظ محبتهم وانتمائهم للعراق واهل العراق.
وفي كل تفاصيل هذه المهرجانات الاحتفالية اليومية هناك ابناء الخليج العربي الذين تسابقوا الى البصرة، بعضهم وصل مشيا من الكويت الى البصرة، ففاجأتهم اخلاق ومحبة وكرم العراقيين في البصرة وكانهم يكتشفونها للمرة الاولى دون ان يعرفوا ان هذه اخلاق العراقيين، بعربهم وكوردهم، منذ ان وجدوا فوق هذه الارض.. كل يوم يفاجئنا كاتب وشاعر واعلامي خليجي بمقال او قصيدة او تقرير اعلامي يعبر خلاله عن دهشته واعجابه بما شاهده وعاشه في البصرة.
ما تحقق من التعريف الحديث للعراق خلال ايام خليجي 25 لم يتحقق منذ عشرات السنين وبدون اي نفقات او ميزانيات جبارة سرقتها حكومات متتالية.. ما تحقق وببساطة هو ان العراقيين عبروا عن طبيعتهم بعيدا عن احزاب الاسلام السياسي، الشيعي والسني، واسلحة الميلشيات وتحريض الطائفيين للغوغاء ضد ابناء مدنهم فجعلوا الاخوة يتقاتلون تحت سقف البيت الواحد.
هذه هي الرسائل المباشرة والواضحة وضوح الشمس التي بعثها العراقيون الى السياسيين الذين صادروا إرادة واموال وحياة ومستقبل الشعب العراقي.. رسائل لا تحتاج الى البحث في كتب علي الوردي وكافة علماء الاجتماع والنظريات النفسانية.. هي معجزة اجترحها العراقيون، عنوانها المحبة والتآلف بعيدا عن اوامر وتوجيهات السياسيين الذين خربوا حياتنا.. رسائل قالت بوضوح ايها السياسيون ابتعدوا عن حياتنا ودعونا نعيش بسلام.
يتصور السياسيون العراقيون انهم اكثر ذكاءا من الشعب العراقي وانهم قادرون على استغباء العراقيين، لكن رسائل كورنيش شط العرب برهنت العكس تماما، وان العراقيين قالوا كلمتهم: كفى.. ولن نقبل بالعودة الى الوراء فخذوا ايها السياسيون حذركم منا.