كتاب “فاطمة بنت محمد” مقاربات منهجية/1

د. صادق المخزومي

الكتاب هو أطروحة دكتوراه بعنوان “إبنة محمد” مأخوذة عن النصوص الإسلامية، الشيعية والسنيّة، التي نوقشت في”المعهد البابوي (الحبري) للدراسات العربية والإسلامية في روما” ( Pontifical Instiate for Arabic and Islamic (PISIE)- Rome ) ).

بروفيسور كلوهسي أحد الهيأة التدريسية لـ”المعهدالبابوي (الحبري) للدراسات العربية الإسلامية” (PISIA) والقس الكاثوليكي والأكاديمي، وهو في الأصل من دولة جنوب افريقيا، عين كاهنا في عام 1988، وحصل على إجازة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من (PISIA) (المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية) في عام 2000، و PH.D دكتوراه في عام 2006، في أطروحة معنونة“أم الأحزان” دراسة عن حياة فاطمة الزهراء ابنة محمد, كتب أربعة كتب في اللغة الإنجليزية حول التراث الإسلامي الشيعي، بعد تقديم الرؤى والمقاربات والفرضيات حول آل البيت ومبادئهم وسلوكهم.

قال كريستوفر :كل شيء بدأ من السيدة فاطمة، وكوني كنت أبحث عن الحسين فلا مناص من تقصي المعلومة حول أمه أيضا، كنت مصدوما عندما وجدت كثيرا من التفاني والإخلاص عند فاطمة، ولكن كتب عنها القليل، فقد كانت- حقا- شخصية رائعة، وكان لها دور رئيس في بداية رسالة النبي، فلا يكفي –فقط- نكتب ونروي عن مقاماتها، بل علينا أن نستكشف شخصيتها ودورها أيضا، ولذا إخترت أن تكون أطروحة الدكتوراه عن فاطمة، أملي واعتقادي أن يكون كتابي هذا هو الأول في رواية سيرتها بلغة غربية، وعلى أساس مصادر عربية.

عنوان الكتاب “فاطمة بنت محمد” يحكي ألق موضوعه، لا مناص من أن قيمة العنوان عالية لدى المسلمين، وتبلغ أوج علوها لدى الشيعة على وجه الخصوص؛ لكن هنا يطفق سؤال موضوعي وبحثي، ما قيمة بنت نبي الإسلام لدن أهل دين آخر؟ ما قيمة فاطمة بنت محمد عند المسيحيين، سواء المسيحيين الغربيين او المشرقيين او العراقيين؟ لقد علقت في علو عناية جرسيّة الشعراء وقلميّة الكتاب، ولدى المؤرخين أغرقت حتى متخيّل التاريخ وعالم الميثولوجيا في أوربا، على نحو شغلت دنيا العقيدة الكاثوليكية في الغرب بخاصة وفي العالم بعامة.

أخذت فاطمة –سواء في قصة الرؤيا، أو لشبهها في الشخصية والحياة مع مريم- أخذت مساحة من العاطفة الدينية الكاثولوكية في المشرق- أيضا، فارتسمت على شكل تسميات وكنائس تؤدى فيها العبادة، مثل: كنيسة فاطمة للسريان الكاثوليك في دمشق، وكنيسة عذراء فاطمة للسريان الكاثوليك في الموصل.

كتاب “فاطمة بنت محمد” بحث قوامه الثنائية، سواء في المنهج أو الموضوع، أما في المنهج فقد قسّم البحث الى أربعة فصول، وكل فصل الى جزأين؛ وأما في الموضوع فتلحظ أنّ الثنائية تأخذ مساقا بعيدا تنضح منه أفاق موضوعية، تشكل مفردات مهمة مستلة بين المدخلات والمخرجات، ومرتكزات في السدّة واللحمة أحيانا؛ فالثنائية عناصرها: فاطمة ومريم، الحسين والمسيح، القرآن الكريم والكتاب المقدس، الكاثوليك والشيعة، والسنة والشيعة.

مجتمع كل منهما في الأسباب والنتائج، مجتمع تأثر بهم وترك أثرا عنهم، فالكاثوليك في عقيدتهم حول مريم، يختلفون عن الآخر المسيحي على مذاهبهم في رأيهم في مريم، وإن كانت ثمة نصوص قريبة من طرف المريدين؛ والشيعة في عقيدتهم حول فاطمة يختلفون عن الآخر الإسلامي على مذاهبهم في رأيهم في فاطمة والحسين، وإن كانت ثمة نصوص قريبة من طرف المريدين؛ وعلى هذه الفرشة المكثفة يتحرك الباحث باقتدار في منهجي التحليل والمقارنة فضلا عن التقصي.

بما أن الهدف من هذا العمل ليس بالدرجة الأولى تحليل نقدي للنصوص الشيعية والسنية أو الاستشراقية في حد ذاتها، بل هو دراسة نقدية لحياة فاطمة على مستوى هذه النصوص، وتبيان قيمة أربع سمات بارزة في حياة فاطمة، يمكن من خلالها النظر في مكانتها، وخاصة عند المذهب الشيعي:

1- ولادتها، وتحديداً التبليغ والتداخل الخارق الذي يحيط بمفهومها، وولادتها- كما هو مذكور في أحاديث الشيعة- التعاليم والتقوى.

2- المعجزات التي سجلها الشيعة في: التبليغ، والحمل، وولادة ابنها الحسين.

3- فاطمة كامرأة حزينة، ولا سيما المفهوم الشيعي الحاسم عن حزنها وحدادها المرتبطين- بشكل وثيق- باستشهاد ابنها الحسين.

4- امتيازات الشفاعة لفاطمة، المتوخاة على أنها نتيجة لمكانتها العالية ومكافأة على معاناتها، مما يمنحها قوة مذهلة في يوم القيامة.

يعتمد الكاتب أشكالا عدة يضعها في مساق المقارنة، منها: ملاحظات حول التقليد الكاثوليكي عن سيدة الحزن [مريم] (ف4: 5)، ملاحظات حول التقليد الإسلامي والشيعي عن سيدة الحزن [فاطمة]، في مجال الفراغ التاريخي يلجأ المجتمع الديني الى مفردات الميثولوجيا نحو: الرؤى والاحلام ودورها في رسم خارطة ولادة يسوع والحسين: عدد من الأحلام ليوسف تجلب تحذيرات بشأن سلامة الطفل، لكن لا أحد منهم يتوقع موته. هذا الحلم هو عنصر حاسم في روايات مفهوم وولادة كل من يسوع والحسين. أن اتصال الله بالبشرية من خلال الأحلام، تم التأكيد عليه بوضوح في الكتاب المقدس، (ف4: 4).

يوجد فرق في ماهية مريم في المذاهب المسيحيّة وتقييمها في معرض اللاهوت والناسوت، أي بين كونها أما للرب، وأما للإبن، كما يوجد فرق شاسع بين مريم الكاثوليكية ومريم القرآنية- في منظور المؤلف.

بالنسبة إلى فاطمة، من الواضح بجلاء أن كل ما يطرح على مريم في القرآن، يجب أن يُطرح عليها أيضًا، من أجل إثبات مكانتها الفائقة في الإدراك الشيعي. ف4، ج2. تروي الأناجيل الملفقة عددًا من المناسبات، التي لا يوجد أي إشارة إليها في النصوص الكنسية… مثل إنجيل متى المزيف، ف4، ج.2

يكاد الفصل الرابع في قسمه الأول يختص في السيدة مريم، ورأي المذاهب المسيحية فيها، بل رأي الآباء الأوئل فيها، فضلا عن الكتاب في مباحثهم الكتابية، فكان حقا بحثا مسيحيا صرفا، كانت دراسة تحمل الطرافة والجدة عن مريم بأقلام مسيحية وكتاب عالميين، استشرفت مطالعة القارئ في المشرق، ولا سيما القارئ العربي بعد هذه الترجمة.

ثمة إضافة في (ف4، ج1) الى معلومات القارئ المسلم عن مريم وتطور العقيدة في طهارتها وقدسيتها من خلال مدونات القديسين عبر التاريخ: “في كتابات آباء الكنيسة الأوائل، لا نجد أي إشارة إلى الحمل بلا دنس، لأن هؤلاء اللاهوتيين الأوائل لم يؤمنوا بأنها خالية من الخطيئة. أوريجانوس (ت 253 أو 254) وآخرون افترضوا أنها ناقصة مثل بقية البشر. مع مرور الوقت، أصبح اللاهوت الذي يتم بناؤه حول شخصها أكثر تميزًا بالكلمة الرئيسية للقداسة العظيمة، وهو عامل حُفّز في الشرق مع إقرار لقبها” Theotokos” (والدة الإله) من لدن مجمع أفسس في431 . ولكن بحلول القرن الثامن فقط تم ترسيخ الإيمان بقداستها التي لا تقدر بثمن و التي لا تشوبها شائبة في الكنيسة الشرقية”

يبدو لي إن تصدي القرآن الكريم لمريم العذراء في مساحة واسعة لنشر قصتها في القرن السابع الميلادي، وتوغل المسلمين في الأماكن المسيحية إبان “الفتوح”، أسهم في توطيد التلاقح المعرفي الديني بين الاسلام والمسيحية، بخاصة في موضوعة مريم، إذ تطور فهم قداسة مريم حد “ترسيخ الإيمان” لدى الكتاب المسيحيين في القرن 8م/ 2هـ وبعده.

البحث رباعي الأضلاع والزوايا، وفي كل زاوية تكمن إشكالية ينبغي للكاتب أن يمعن في تفصيلاتها، وأحيانا تلاحقها تبعات ومخرجات، ومثلها مقدمات، قد يضطر الى تبيانها، مثل قضية الحسين الإمام ودولة الحاكم، فيعرض أبعادها في كلام مفصل، حتى ولو في الهامش، لمن لم يتسنَ له الاطلاع عليها. فيقول: “بالنسبة للقراء الذين قد لا يعرفون القصة، كان الدافع وراء هذه القضية هو خلافة معاوية (التي تلقى الحسين خلال فترة حكمه عديدا من التعهدات بالدعم والنداءات لقيادة الثورة) وانضمام يزيد إلى الخلافة بعد وفاة والده معاوية. إنها حركة سياسية ودينية في آن واحد…”. ف4 ق2.

قد يعجبك ايضا