د . صباح ايليا القس
لا بد من الاقرار بأن التطور حالة اعتيادية في اغلب مفاصل الحياة . واستعراض تاريخي لتطور الجنس البشري منذ اكتشاف انسان النياردنتال وحتى يومنا الحاضر يعطينا يقينا ان الحياة برمتها لا ترتضي السكون او التكرار فهناك دائما تجديد في المظاهروتطوير في الافكار وان لم يكن هذا حاصلا فكيف تطورنا وكيف انتقلنا من الكهوف الى ما نحن عليه الان .
كان التطور الفكري يسير بتباطؤ وتمهُّل لكنه يتسارع احيانا بحسب حالات او وسائل التطور ومن يقف وراءها من ادوات ورجال التطور لا سيما رجال الصف الاول من القادة والملوك ومن يؤازرهم من الرعيل المتقدم , وهكذا وجدنا الانسان يتطور ثقافيا وينتقل من حياة االتشرد الى حياة الاستقرار والاعمار وبناء المدن والنظر الى السماء فكانت الحقائق الفكرية والعلمية والرياضيات والفلك وبعض الطب والحكمة والقانون هذه المفردات كلها عرفها الانسان القديم حتى انه دونها في المخطوطات التي وصلتنا .
اقول هذا لاصل الى نتيجة مفادها ان التطور ظاهرة مقبولة ومطلوبة وبوساطته تقدمت الامم والشعوب التي ادت الى هذا التقدم الحضاري الذي نعيشه ..
ليس من المستبعد ان يشمل التطور الادب ايضا فليس من المعقول ان يبقى الادب اسير النمط الجاهلي لا سيما في الشعر من حيث الالفاظ والمعاني والقوالب الشعرية والموضوعات المطروحة والاغراض الشعرية التي عالجها الشعر الجاهلي فمثلا يقص علينا الجاهلي رحلته وما يعانيه وناقته من اهوال وعناء قاصدا الممدوح لينال جائزته او تكون الرحلة لغرض لقاء الحبيبة او البكاء على اطلالها وقد عالجت هذا الغرض دراسات كثيرة تخصصت في الادب الجاهلي لكن هذا الغرض والبكاء على الالطلال لم يعد موجودا في ادب العصر العباسي مثلا اذ قل وجوده في العصر الاسلامي والاموي حتى ان ابا نؤاس هجا وانتقد من يبكي على الطلل عندما قال :
قُـــل لمـــن يبكـــي علـــــى رســـمٍ درس مــــــــــا ضـــــــــرّ لـــــــو كـــان جلــــــسْ
و ( جلس ) هنا تعني قضاء الحاجة والقصد استهجان من يعيش في العصر العباسي عصر الازدهار الحضاري وعقليته او شاعريته تقلد الجاهليين في مساراتهم الشعرية .
لكن هناك خروقات سبقت ابا نؤاس فالشعر الجاهلي لم يعرف النقائض التي ازدهرت في العصر الامر وضمت الثلاثي المشهور جرير والاخطل والفرزدق , كذلك نجد خروقات عمر بن ابي ربيعة وغزله الحسي الذي فاق فيه استاذه امرأ القيس .
ومن يتفحص الادب الاسلامي والعباسي يجد ان اللغة الشعرية اصبحت اكثر قبولا عند المتلقي بغض النظر عن الموضوعات لا سيما في الغزل فلم تعد هناك الفاظ خشنة عصية على الفهم الا عند الرجوع الى المعجم ولم تعد هناك اطالة بغير داعٍ ولم تعد هناك رحلة واطلال وبكاء واستيقاف الصحب ووصف الناقة بوصفها رفيقة السفر وحاملة الهموم والاثقال وعذابات السفر والعطش .
المهم في الامر ان الشعر حافظ على عنصرين اساسيين عبر رحلته البطويلة من العصر الجاهلي حتى بواكير العصر الحديث والعنصران هما الوزن والقافية اما الافكار والموضوعات والمعاني فهي تناسب العصر الذي هي فيه يتضح خفوت غرض المديح مثلا بعد العصر العباسي الذي حصل المديح فيه على اعلى المراتب كذلك الوصف بينما استجدت موضوعات لم تكن تاخذ حيزا كبيرا مثل الخمريات التي ابدع فيها جماعة ابي نؤاس وبشار بن برد و والبة بن الحباب وغيرهم .
لم يكن للشعر ذلك الدور المهم بعد اجتياح هولاكو وسقوط الدولة العباسية اذ اخذ النثر دوره وفضّل الشعراء اللجوء الى الاغراض الاخرى كالوصف والحكمة والاخوانيات حتى جاءت تسميتها بالفترة المظلمة لندرة الابداع الشعري فيها .