د . صباح ايليا القس
اللغة هي الوسيلة المشتركة بين طرفين غرضها التفاهم بخصوص قضية او معلومة بين اثنين او اكثر والكلام او النص النثري الفني وغيره يقوم بعملية التوصيل بحيث يفهم كل طرف ما يريده الآخر حتى لو كانت رسائل بين المرسل او المرسل اليه حوارا او كتابة وسواء كانت اللغة حديثا ام حوارا ام لغة صحفية ام رسائل ام اي فن من فنون الكتابة القديمة او الحديثة واقصد بالقديمة المقامات والحديثة الرواية او سواهما من الادب النثري .
في المصطلح القديم تطلق كلمة عنوان بوصفها مفتتحا او مدخلاً يوحي بالمضمون الذي سيكتبه المؤلف وسيطلع عليه القارئ وفي لغة الحداثة تسمى ( العتبات النصية ) التي توحي بالمتن المقروء وما سيشتمل عليه من مفردات معرفية ربما يجهلها القارئ او يطلب عنها المزيد .
ابتدأت الكتابة النثرية بسبب الحاجة الى توصيل الرسائل بسبب الحاجة الى توضيح مسألة ما تطمينا او إخبارا او تهديدا ولذلك وجدت الدواوين التي يكون واجبها اجراء المخاطبات والمراسلات لا سيما بعد توسع الدائرة الاسلامية ومجاورتها لحضارات اخرى فلزم الامر وجود مترجمين وكتّاب على مستوى رفيع من القدرات والمهارات ومجموعة كبيرة من الموظفين وحتى الخطاطين لذلك ظهرت كفاءات وقدرات كان لها الدور الريادي في توسيع مهمة الكاتب حتى وجدنا لاحقا مؤلفات متخصصة في حرفة الكتابة على وفق منهج خاص مثل أدب الكاتب وغيره من المؤلفات .
ظهر من الكتاب المؤلفين ابن النديم في كتابه ( الفهرست ) والفارابي في كتابه ( احصاء العلوم ) بينما نجد من اهتم بصورة خاصة في صناعة الانشاء والتدوين وفنون الكتابة ذك هو
( القلقشندي ) في كتابه ( صبح الاعشى في صناعة الانشا ) والانشاء الذي نقصده ليس التعبير الذي يدرس في المدارس بل هو فن الكتابة واصولها وقوانينها ومفرداتها ومضامينها وصياغتها والكتاب الذي نقصده ليس بسيطاً كما قد يتصور بعض الناس فهو كتاب مكون من أربعة عشر جزءاً اشتمل على كل ما يخطر على ذهن الكاتب وهو المعين والمساعد لكل من يطلب علم الادب والانشاء والتدوين … اذ لا بدّ من العنوان ( العتبات النصية ) وضرورة ان يعتني الكاتب بوضوح الخط وحسن الاداء فضلا عن حسن الافتتاح والختام ونقل المحتوى بدقة وصراحة ومعرفة منزل المرسِل والمرسَل اليه والفاظ الخطاب المناسبة لكل مقام ويعطي الناس حق اقدارهم فلا يجوز ان يخاطب الصغير باسلوب منزلة الكبير أو الامير حتى ان القلقشندي لا يرتضي ان تكون لغة الخطاب متساوية بين خطاب السلطان وخطاب الرعيان .
يكون المفتتح بلفظ من فلان وهو اسم ولقب المرسِل وبعده يكون الى فلان ويكتب اسم المرسَل اليه مع ما يشتمل عليه اسمه من ألقاب وكنايات وتشريفات فاذا انتهى الكاتب من ذلك عمد الى السطر الجديد ليكتب اما بعد .. وهذه تعني اشارة بدء الرسالة حتى نهايتها ويدرج فيها المعلومات التي يروم المرسِل ايصالها الى الجانب الآخر المرسَل اليه ولا بد من ختام النص بلفظ والسلام عليكم .
من المفيد أن نقول ان المرسِل يوجز كلامه بالمعلومة التي يريد ايصالها الى المرسَل اليه وهذه المعلومة على الكاتب ان يقوم بصياغتها بحسب قدراته الفنية والادبية وبراعته في اللغة ودقتها وفنونها ونحوها وصرفها واملائها وخطها وما يسيغه على المعلومة من مقدمة وتوطئة واستهلال واقفال وربما تنبيه واهداء وحسن أداء ..
هذه كلها تعد من الملفوظات النصية التي بوساطتها تستقيم الرسالة القصدية وهذه جميعها من مستلزمات الكتابة التي يجب ان يتقنها المشتغلون بهذه المهنة والتي برع فيها كتاب مشهود لهم . ولم يكن الرؤساء يكلفون أحد الكتاب إلا بعد أن يتأكدوا من مقدرته الفنية والادبية .