قضايا وهموم سودانية وقراءة المشهد الإقليمي

سعد محمد عبدالله

تفرض التطورات السياسية والعسكرية الراهنة في السودان ضرورة النظر إلى المشهد الوطني من زاوية حماية الدولة وصيانة مؤسساتها والحفاظ على وحدة أراضيها، في ظل حرب شعواء تستهدف إستقرار البلاد وتماسك بنيتها الوطنية، وفي هذا الإطار، تأتي تطمينات حكومة إقليم النيل الأزرق بشأن الأوضاع الأمنية والعسكرية تأكيدًا لإستمرار التنسيق بين الأجهزة الحكومية والعسكرية والأمنية، والعمل على حماية المواطنين وتأمين المناطق الآمنة وضمان إستمرار تقديم الخدمات الأساسية؛ كما تعكس الدعوة إلى عدم تداول المعلومات مجهولة المصدر أهمية المحافظة على الجبهة الداخلية وتعزيز الوعي الوطني في مواجهة حملات التضليل والحرب النفسية المصاحبة للعمليات العسكرية، بما يسهم في تعزيز التلاحم الوطني؛ ذلك أن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية والإعلام الوطني الحر، بما يعزز الثقة ويحافظ على الإستقرار، ويحول دون إستغلال المخاوف المشروعة للمواطنين، ولا شك أن الحفاظ على الأمن والإستقرار يمثل مدخلًا أساسيًا للصمود أمام الأعداء وإستعادة عافية الدولة، وتمكين مؤسساتها من أداء مسؤولياتها الدستورية والوطنية، وصولًا إلى إنهاء التمرد وتحقيق سلام عادل وشامل، وحماية مقدرات الشعب السوداني وصون وحدته وسيادته الوطنية.

في الجانب الإنساني، تكشف التطورات المتلاحقة في مناطق النزوح عن مأساة إنسانية بالغة التعقيد، ومن بينها الحريق الذي شهدته مخيمات كالوكيتنج بجبل مرة، وما يعكسه من آلام ومعاناة يعيشها المواطنون في ظل إستمرار الإنتهاكات والتداعيات الإجتماعية والإقتصادية للحرب، ويجب أن نضع في الإعتبار تحذيرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بشأن إحتياجات نحو 15.4 مليون شخص إلى المأوى والمواد المنزلية الأساسية، في ظل محدودية القدرة على الوصول إلى أكثر من عشرة في المئة من المحتاجين، وتمثل هذه الأرقام مؤشرًا خطيرًا على إتساع الفجوة الإنسانية، وتؤكد ضرورة تحرك المجتمع الدولي والوكالات الأممية والجهات المانحة لتوفير التمويل العاجل وتوسيع نطاق المساعدات، بالتنسيق مع حكومة السودان، بعيدًا عن الإنتقائية والتسييس؛ فالوضع الإنساني لا يحتمل المزيد من التأخير أو التجاذبات، وتقع على عاتق المؤسسات الوطنية مسؤولية تعزيز التنسيق مع المنظمات الإنسانية وتسهيل وصول الإغاثة إلى مستحقيها تحت حماية الدولة، مع مراعاة أوضاع المجتمعات المضيفة والنازحين، وفي تقديري، فإن معالجة الأزمة الإنسانية لا تنفصل عن ضرورة إنهاء التمرد ووقف التدخل الأجنبي السلبي في شؤون السودان، وإستعادة مؤسسات الدولة وبسط الأمن، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لتهيئة الظروف الملائمة لعودة المواطنين إلى مناطقهم، وإستئناف حياتهم الطبيعية، والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

من القضايا ذات الأهمية الإستراتيجية حماية البنية التحتية الوطنية، في ظل الإعتداءات التي طالت محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة، وما تمثله من تهديد مباشر لحياة المواطنين والخدمات الأساسية والإقتصاد الوطني، وقد جاءت إدانة المؤتمر الدولي لمنظمة البحيرات العظمى لهذه الهجمات لتؤكد أن إستهداف المرافق المدنية يثير مسؤوليات قانونية وإنسانية تستوجب التحقيق والمساءلة العاجلة، وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني؛ فالكهرباء والمياه والإتصالات والمواصلات والمرافق الصحية والتعليمية ليست مجرد منشآت خدمية، وإنما ركائز أساسية لإستمرار الحياة وحماية الأمن المجتمعي، وهنا تبرز أهمية التعامل الجاد مع التقارير والإتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لمليشيا الدعم السريع وحلفائها من جهات خارجية، وما يترتب على ذلك من إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود السلام، ومن الضروري التأكيد أن إحترام سيادة السودان يقتضي وقف أي إمدادات تسهم في إستمرار القتال، وإلتزام المجتمع الدولي بمسؤولياته في منع تدفق السلاح ومحاسبة المتورطين في الإنتهاكات، ودعم جهود الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة القرار الوطني يمثلان أساسًا ضروريًا لمواجهة التحديات وإستعادة الأمن والإستقرار.

على الصعيد الإقليمي، تظل العلاقات السودانية المصرية إحدى الركائز الأساسية في معادلة الأمن والإستقرار بالمنطقة، بالنظر إلى الروابط التاريخية والجغرافية والمصالح الإستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها الأمن القومي والمائي، وقد عكست تصريحات وزير الخارجية محيي الدين سالم في القاهرة عمق الترابط بين البلدين، وأكدت أن حماية المصالح المشتركة تتطلب إستمرار التنسيق والتعاون والتضامن بين الشعبين الشقيقين، ويمثل إجتماع آلية وزراء الخارجية والري السودانيين والمصريين (2+2) خطوة مهمة نحو تعزيز التشاور بشأن قضايا المياه والأمن والإستقرار الإقليمي، وفي الإتجاه الأفريقي، تكتسب زيارة وكيل وزارة الخارجية السودانية إلى طرابلس والمشاركة في الإجتماعات التي جمعت دول الساحل والصحراء أهمية خاصة في إطار دعم العمل الإقليمي، وإعادة تفعيل المؤسسات الأفريقية، وتعزيز التعاون مع دولة ليبيا؛ فالسودان، بما يمتلكه من موقع جغرافي وموارد وإمكانات إستراتيجية، يحتاج إلى سياسة خارجية نشطة تقوم على إحترام السيادة والمصالح المتبادلة وتوسيع الشراكات الإقليمية والدولية، وتبقى الأولوية الوطنية هي مواجهة مخططات المتمردين والتدخلات الخارجية الساعية إلى تقويض سيادة البلاد، وإستعادة مؤسسات الدولة وصون وحدة أراضيها، وتهيئة المناخ لحوار وطني سوداني جامع يؤسس لسلام مستدام وإستقرار سياسي وتنمية شاملة.

قد يعجبك ايضا
∧