إرادة الشعب تعلو ولا تُقهر برلمان كوردستان يستعيد صوته الديمقراطي

د. هلكورد عزيزخان عقراوي

الديمقراطية ليست مجرد عملية انتخابية تنتهي بإعلان النتائج وليست شعارات سياسية ترفع عند الحاجة، وإنما هي منظومة من القيم والمبادئ التي تقوم على احترام إرادة الشعب والالتزام بنتائج الانتخابات وتداول المسؤولية وتفعيل مؤسسات الوطنية والاحتكام إلى الحوار والآليات الديمقراطية في معالجة الخلافات السياسية، فإن استعادة برلمان كوردستان لدوره المؤسسي حقيقة مهمة لإعادة التأكيد على أن إرادة الشعب يجب أن تظل المرجعية الأساسية للعملية السياسية وان المصالح الوطنية ينبغي أن تتقدم على الحسابات الحزبية والشخصية.

إقليم كوردستان قد عانى خلال المرحلة الماضية حالة من التعطّل السياسي والمؤسسي انعكست آثارها على مسار العمل التشريعي والحكومي، وأوجدت تحديات إضافية أمام تطلعات المواطنين واستحقاقاتهم، فإن عودة البرلمان إلى ممارسة دوره التشريعي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد حدث إجرائي، بل بوصفها خطوة نحو استعادة الحياة المؤسسية وإعادة فتح المجال أمام الحوار والتفاهم وتفعيل المسؤولية التي أفرزتها إرادة الناخبين.

أولا: المسؤولية التاريخية لأعضاء البرلمان: إن أعضاء برلمان كوردستان يقفون أمام مسؤولية وطنية وتاريخية كبيرة؛ فالمقعد البرلماني ليس امتياز حزبي أو مكسب شخصي، بل أمانة منحها الشعب لممثليه من أجل الدفاع عن حقوقه وتحقيق تطلعاته. ومن هذا المنطلق، يستحق التقدير كل عضو برلماني أدرك أن المصلحة العامة تتقدم على الاعتبارات الحزبية الضيقة، وأن مسؤوليته تجاه الشعب تقتضي المشاركة في تفعيل المؤسسة التشريعية وعدم تركها رهينة للخلافات السياسية. إنّ المواقف التي تتجاوز الحسابات الحزبية عندما تتعارض مع مقتضيات المصلحة العامة تعبّر عن إدراك حقيقي لمعنى المسؤولية الوطنية، فالانتماء الحزبي على أهميته في الحياة الديمقراطية لا ينبغي أن يلغي استقلالية النائب في تقدير واجباته الوطنية، ولا أن يحول دون قيامه بدوره في حماية المصلحة العامة فالنائب وإن وصل إلى البرلمان من خلال قائمة أو حزب سياسي، فإنه يحمل مسؤولية عامة تتجاوز حدود الانتماء الحزبي.

وسوف يبقى التاريخ شاهداً على المواقف التي اتخذها ممثلو الشعب في اللحظات المفصلية، وعلى مدى قدرتهم على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة، لأن قيمة المسؤولية لا تظهر في الظروف الاعتيادية بقدر ما تتجلى عند اشتداد الخلافات وتعارض المصالح، فمصلحة كوردستان فوق جميع المصالح.

ثانيا: البرلمان هو المؤسسة الدستورية لتسوية الخلافات: من المبادئ الأساسية في النظام الديمقراطي أن الخلاف السياسي لا يُعالج بتعطيل المؤسسات ولا بمقاطعة الحوار إلى أجل غير معلوم، وإنما بالعودة إلى المؤسسات التشريعية التي أُنشئت في الأصل لتكون ساحةً للنقاش والتفاوض والتوصل إلى الحلول. فالبرلمان هو المؤسسة التشريعية التي تلتقي تحت سقفها مختلف الاتجاهات السياسية وتُطرح فيها وجهات النظر المتباينة وتُناقش فيها القضايا الوطنية وتُحسم الخلافات وفقاً للقواعد القانونية والإجراءات الديمقراطية، فإن تحويل الخلافات السياسية إلى سبب لتعطيل البرلمان يتعارض مع الغاية الأساسية من وجوده ويُضعف دوره في تمثيل الإرادة الشعبية.

إنّ البرلمان ليس ملك لحزب أو كتلة سياسية بعينها، بل هو مؤسسة تمثل الشعب بمختلف مكوناته واتجاهاته وينبغي أن يكون البيت الجامع لجميع القوى السياسية ومنبر للحوار الوطني ومكان لتسوية الخلافات، لا ساحة لتكريس الانقسامات أو تعطيل الاستحقاقات الانتخابية. فالاختلاف في الرأي حق ديمقراطي والمعارضة السياسية حق مشروع، لكن ممارسة هذه الحقوق ينبغي أن تتم في إطار المؤسسات الوطنية، ولا يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين أو إفراغ العملية الديمقراطية من مضمونها.

ثالثا: وحدة الصف الوطني ومصلحة كوردستان فوق جميع المصالح: إنّ وحدة الصف الوطني الكوردي ليست مجرد شعار سياسي أو تعبير عاطفي، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الإقليم، فكوردستان ومستقبل شعبها أسمى من الحسابات السياسية الضيقة ومكتسباتها الوطنية تستحق من جميع القوى السياسية أن تتعامل معها باعتبارها مسؤولية مشتركة لا مجال للمساومة عليها.

وفي هذا السياق، ينبغي الإشارة إلى أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني أعلن تمسكه بالحوار والتفاهم وطرح مسارات للتقارب وتوحيد المواقف بين القوى السياسية، ومهما اختلفت التقديرات بشأن طبيعة هذه المبادرات ونتائجها فإن استمرار الحوار يظل ضرورة لا غنى عنها، كما أن باب البرلمان يبقى مفتوح أمام جميع الأطراف دون استثناء للوصول إلى تفاهمات تحفظ الشراكة السياسية وتخدم المصلحة العامة.

إنّ توحيد الصف لا يعني إلغاء الاختلافات أو التنازل عن الحقوق السياسية، وإنما يعني إدارة تلك الاختلافات بروح وطنية مسؤولة والابتعاد عن تحويل التنافس الحزبي إلى صراع ينعكس بشكل سلبي على استقرار الإقليم ومؤسساته، فالأحزاب تتنافس والبرامج تختلف والمواقف تتباين لكن مصلحة كوردستان يجب أن تبقى القاسم المشترك الذي يجمع الجميع.

رابعا: تشكيل الحكومة استحقاق وطني ومسؤولية مشتركة: إنّ استكمال المسار الديمقراطي وتشكيل حكومة الإقليم لم يعد مجرد مطلب سياسي مرتبط بالتوازنات الحزبية، بل أصبح ضرورة مؤسسية وإدارية واقتصادية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، فالمواطن ينتظر حكومة تتولى مسؤولية معالجة الأزمات الاقتصادية وتحسين الخدمات العامة وضمان انتظام الرواتب وتوفير فرص العمل وتعزيز سيادة القانون ومكافحة الفساد وترسيخ العدالة الاجتماعية، وهذه الاستحقاقات لا يمكن أن تبقى معلقة بسبب استمرار الخلافات بين القوى السياسية.

فإن كل موقف سياسي يسهم في تعطيل تشكيل الحكومة دون مسوغ قانوني أو مصلحة عامة واضحة يستوجب المساءلة السياسية أمام الشعب، فالمعارضة حق ديمقراطي والتفاوض حق مشروع والاختلاف في شروط المشاركة أمر طبيعي، لكن ينبغي ألا تتحول هذه الممارسات إلى وسيلة لإطالة أمد الفراغ التشريعي وتعطيل مصالح الشعب.

خامسا: الوفاء لدماء الشهداء مسؤولية تتجاوز الشعارات: لا يمكن الحديث عن مستقبل كوردستان دون استحضار تضحيات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن أرضهم وكرامة شعبهم وحقوقه الوطنية، إنّ الوفاء لهذه التضحيات لا يتحقق بمجرد استذكار أسمائهم أو استحضار صورهم في المناسبات، بل يقتضي صيانة المكتسبات التي تحققت بفضل تلك التضحيات وبناء مؤسسات قوية وتحقيق الاستقرار واحترام إرادة المواطنين وتوفير حياة كريمة للأجيال القادمة.

فإن تعطيل المؤسسات التشريعية يكون ذلك على حساب المصلحة العامة، يتعارض مع مقتضيات المسؤولية الوطنية التي تفرضها تضحيات الشهداء. فدماء الشهداء أمانة تاريخية في أعناق جميع القوى السياسية، إنّ كوردستان التي دفعت أثماناً باهظة في سبيل الحرية والكرامة تستحق من قادتها وممثليها أن يرتقوا إلى مستوى تلك التضحيات، وأن يجعلوا من إعادة تفعيل البرلمان الوحدة والتفاهم والعمل المؤسسي أساساً لبناء المستقبل.

وفي الختام، إنّ المرحلة الراهنة تتطلب انتقال القوى السياسية من منطق الصراع على المواقع والنفوذ إلى منطق المسؤولية الوطنية، كما تتطلب من أعضاء البرلمان أن يدركوا أن التاريخ لا يحاسب المسؤولين على ما أعلنوه من مواقف وشعارات فحسب، وإنما على ما اتخذوه من قرارات وما قدموه من إنجازات وما تحملوه من مسؤوليات تجاه شعبهم، إنّ استعادة البرلمان لدوره ينبغي أن تكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها احترام الإرادة الشعبية، وتفعيل المؤسسات التشريعية، واستكمال تشكيل الحكومة وتوحيد الصف الوطني، فإنّ المطلوب اليوم من الجميع هو تغليب لغة الحوار على لغة المقاطعة ومنطق الشراكة على منطق الإقصاء والمصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والشخصية.

فباب البرلمان وطاولة الحوار مفتوحة، والاختلافات السياسية يجب أن تجد طريقها إلى الحل داخل المؤسسات الوطنية ومسؤولية الحفاظ على كوردستان ووحدتها واستقرارها ومستقبلها مسؤولية لا يجوز التنصل منها.

قد يعجبك ايضا
∧