مها حسن
كاتبة وروائية كردية مقيمة في فرنسا
حين كنتُ في مطار القاهرة، وقد وصلت للتو من باريس، قلتُ لموظف المطار وأنا أبحث عن طائرتي المتجهة إلى أربيل: أبحث عن طائرة كردستان.
خرجت العبارة مني عفوياً، وأنا منغمسة نفسياً في حالة «كردستان». هذه الحالة التي أدخل فيها حين أسافر إلى إقليم كردستان، فأشعر بشيء من الانفصال عن المكان الذي أكون فيه، لغوياً وخيالياً وذهنياً.
استغرب الموظف وسألني: أين هي كردستان؟ فأجبته بدقة، حسب المكتوب على تذكرتي: أربيل، في العراق.
دلّني الرجل على البوابة التي أعبر منها دون الوقوف في طابور المسافرين، حيث كانت طائرتي في رحلة ترانزيت فقط.
ربما صار مطار القاهرة اليوم يضع اسم «كردستان» على اللوحات الضوئية المشيرة إلى بوابات المغادرة والوصول، كما رأيت مرة على صفحة أحد الأصدقاء المغادرين من القاهرة إلى «كردستان».
ظل سؤال موظف المطار عالقاً في ذهني: أين تقع كردستان؟ وعاد بقوة ليطرق بوابة أفكاري، حين نشرت الفنانة ليلى علوي صوراً لها في كردستان، خلال استقبالها من قبل تلفزيون شمس في أربيل. فقد استوقفتني بعض التعليقات البريئة التي تساءلت: لكن، أين تقع كردستان؟
ورغم بعض الجدل والرفض من قبل معلقين عرب، اعترضوا على تسمية «كردستان»، وأصروا على أنها «العراق»، لكن ثمة مفارقة كبيرة في أن يكون إقليم كردستان العراق جزءاً من دولة عربية، وأن يبدو، رغم قربه الجغرافي من العالم العربي، مكاناً بعيداً وغامضاً بالنسبة إلى كثيرين فيه.
ربما يعرف بعضهم اسمها من نشرات الأخبار، أو من الحروب والصراعات السياسية، أو من القضية الكردية التي تظهر بين الحين والآخر في المشهد السياسي الإقليمي، لكن كم منهم يعرف شيئاً عن مدنها، وموسيقاها، وأدبها، وفنونها، وحياة الناس فيها؟ كم منهم يستطيع أن يميز بين أربيل والسليمانية ودهوك؟ وكم منهم يعرف أن كردستان ليست مجرد إقليم في العراق، بل فضاء جغرافي وثقافي يمتد عبر تركيا وسوريا والعراق وإيران؟
ربما تكمن المفارقة في أن كردستان معروفة لدى كثيرين بوصفها قضية سياسية، لكنها مجهولة بوصفها عالماً ثقافياً وإنسانياً. فقد يعرف المرء شيئاً عن القضية الكردية، ويتخذ منها موقفاً مؤيداً أو معارضاً، دون أن يعرف شيئاً عن الأدب الكردي أو الموسيقى أو الفنون أو تفاصيل الحياة اليومية للكرد. وكأن حضور المكان في السياسة لا يستلزم بالضرورة حضوره في المعرفة والوعي الثقافي.
ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً أن كردستان نفسها ليست فضاءً لغوياً واحداً. فهناك الكرمانجية والسورانية، إلى جانب تنوعات لغوية وثقافية أخرى، وتاريخ من التوزع بين دول وحدود مختلفة.
أتذكر في هذا السياق شابين من أربيل جلستُ إلى جانبهما في الطائرة. كان بيننا فضول متبادل ورغبة واضحة في التعارف والحديث. لكننا اكتشفنا سريعاً أننا لا نملك لغة مشتركة. كان الشابان يتحدثان السورانية وحدها، ولا يعرفان اللغات التي أستطيع التحدث بها : الكردية/ الكرمانجية و العربية و الفرنسية. ولم تكن الكردية/ السورانية من اللهجات التي أستطيع التواصل بها. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام رغبة في الكلام، وعجز عن الكلام، فاكتفينا بالابتسامات والدهشة في العيون ونحن نستعين بترجمة غوغل. نكتب جملة، وننتظر ترجمتها، ثم يكتب أحدهما رداً، وننتظر ترجمته من جديد. محادثة بطيئة، متقطعة، لكنها كانت تحمل شيئاً من الإصرار على ألا تنتهي العلاقة عند حدود اختلاف اللغة.
فكرتُ حينها في المفارقة: أنا التي جئت من عائلة كردية، وأحمل في ذاكرتي وعلاقتي بالعالم جزءاً من الثقافة الكردية، أعجز عن الحديث مع شابين من أربيل لأننا لا نتشارك اللهجة نفسها. فما الذي يحدث لهذين الشابين حين يغادران أربيل ويذهبان إلى بلد عربي؟ كيف يطلبان شيئاً في مطعم؟ كيف يسألان عن عنوان؟ كيف يشرحان فكرة أو يرويان حكاية، إذا كان من حولهما يفترضون أن العربية هي اللغة التي ينبغي أن يتحدثا بها؟
قد يجدان نفسيهما في وضع لا يختلف كثيراً عن وضعي معهما في الطائرة: لديهما ما يريدان قوله، ولدى الآخرين رغبة في فهمهما، لكن اللغة تقف بين الطرفين. وهنا لا يعود الاغتراب اللغوي تجربة المهاجر الذي يذهب إلى بلد بعيد فحسب، بل يصبح تجربة إنسان يعيش في محيط جغرافي قريب، لكنه لا يجد لغته مفهومة فيه.
لكن هل اللغة هي الطريق الوحيد إلى الآخر؟
أظن أن الفن والثقافة يقدمان لنا طرقاً أخرى للعبور. الموسيقى، مثلاً، تستطيع أن تصل إلى مستمع لا يعرف كلمة واحدة من كلمات الأغنية. قد لا يفهم العربي أغنية كردية، لكنه يستطيع أن يتأثر بلحنها، وأن يشعر بالحزن أو الفرح أو الحنين الذي تحمله. وقد لا يعرف الكردي لغة رواية عربية، لكنه يستطيع أن يجد في ترجمتها عالماً يشبهه، أو يكتشف فيها تجربة إنسانية لم يعرفها من قبل، كثيرات من صديقاتي العربيات يقلن لي إنهن يستمتعن بالأغاني الكردية، حتى إن لم يفهمن كلماتها. وقد بنيتُ روايتي «مقام الكرد» على هذه القدرة التي تمتلكها الموسيقى، من خلال مقام موسيقي محدد، على خلق عوالم بشرية كاملة، وبناء علاقات وصياغة ذاكرة جديدة بين الناس.
الأدب والموسيقى والسينما والفنون ليست مجرد منتجات ثقافية تُعرض في المهرجانات أو تُستهلك في أوقات الفراغ. إنها وسائل للتعارف، وربما أكثر الوسائل قدرة على تفكيك الأحكام المسبقة. حين نقرأ أدب شعب آخر، لا نكتفي بمعرفة تاريخه، بل نقترب من مخاوفه ورغباته وعلاقاته العائلية وأحلامه وأسئلته. نكتشف أن الناس الذين كنا نعرفهم من خلال الأخبار لديهم حياة كاملة لا تظهر في نشرات الأخبار.
ومن هنا، أعتقد أن تلفزيون شمس ساهم، من خلال استقباله لفنانين مصريين معروفين، مثل ليلى علوي وإلهام شاهين وصابرين ومحمود حميدة، في جعل هؤلاء الفنانين بمثابة بوابة للتعريف بكردستان. ليس من خلال أبنائها الأكراد وحدهم، بل من خلال ضيوفها أيضاً، الذين يستطيعون ربما نقل انطباعاتهم ومشاعرهم مباشرة إلى العالم العربي، عبر لغة مشتركة تزيل شيئاً من الغرابة والاستغراب، وتجيب عن أسئلة الناس العفوية: ما هي كردستان؟ وأين تقع؟
وربما ينبغي أن نبدأ بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى كردستان. ألا نراها فقط من خلال القضية الكردية، أو من خلال علاقتها بالدول التي تتوزع جغرافيتها بينها، بل أن نراها أيضاً باعتبارها فضاءً إنسانياً وثقافياً مستقلاً بتجربته وتنوعه. مكاناً يعيش فيه الناس ويحبون ويكتبون ويغنون ويختلفون، تماماً كما يحدث في أي مكان آخر من العالم.
أعود إلى مطار القاهرة، وإلى الموظف الذي سألني عن مكان كردستان. لا أعرف إن كان قد صادف بعد ذلك مسافرين آخرين متجهين إلى أربيل، ولا أعرف إن كان قد بحث عن موقعها على الخريطة. لكنني أفكر أحياناً في أن السؤال الذي طرحه عليّ لم يكن موجهاً إليه وحده، بل إلينا جميعاً، نحن المهتمين بفك العزلة بين البشر، وتجسير العلاقات بين الشعوب، والتقليل من حجم الاغتراب الذي يشعر به كثير من الكرد، حين يتحدثون مع جيرانهم العرب. وهو اغتراب لم أشعر به بالدرجة نفسها في تجاربي مع الأوروبيين، حيث يبدو اسم كردستان وموقعها أكثر حضوراً في الوعي العام
أين تقع كردستان؟
على الخريطة، يمكن الإجابة عن السؤال بسهولة. لكن أين تقع في وعينا؟ في ثقافتنا؟ في مخيلتنا؟ وما الذي يجعل مكاناً قريباً إلى هذا الحد، بعيداً إلى هذا الحد؟
ربما لا تحتاج كردستان إلى أن تقترب جغرافياً من العالم العربي بقدر ما يحتاج العالم العربي إلى أن يقترب منها معرفياً وإنسانياً. وربما تبدأ المسافة بيننا بالانكماش حين نكف عن الاكتفاء بالسؤال عن موقع الآخر، ونبدأ بالفضول لمعرفة ما الذي يقوله، وكيف يفكر، وماذا يكتب، وماذا يغني.