عندما تنتصر إرادة الشعب

شيركو حبيب

لم تكن جلسة برلمان كوردستان الأخيرة جلسة اعتيادية، بل كانت اختباراً حقيقياً للتجربة الديمقراطية في كوردستان، ولقدرة مؤسساتها، ولإرادة شعب يعبّر عن صوته من خلال صناديق الاقتراع.
لقد قال الشعب كلمته يوم الانتخابات، وأدلى بصوته واختار ممثليه. واليوم، خطا البرلمان خطوة مهمة بانتخاب هيئة رئاسته. وهذا يعني أن العملية الديمقراطية في كوردستان مستمرة، وأن المؤسسات الدستورية يجب أن تواصل أداء مهامها ومسؤولياتها.
إن هذا النجاح ليس انتصاراً لحزب بعينه فحسب، بل هو انتصار لمبدأ ديمقراطي مهم، يتمثل في احترام صوت المواطن وحق ممثليه المنتخبين في ممارسة مهامهم بحرية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الرئيس مسعود بارزاني في دعم التجربة الديمقراطية في كوردستان وتعزيزها. فقد أكد في مراحل مختلفة من التاريخ السياسي لكوردستان أهمية الوحدة الوطنية، والتعددية السياسية، والحوار، وحل الخلافات بالطرق السلمية.
لقد شدد الرئيس بارزاني دائماً على أن الديمقراطية لا تتحقق بمجرد إجراء الانتخابات والتصويت، بل تحتاج إلى ثقافة تقبّل الاختلاف، واحترام حقوق جميع الأطراف، وحرية التعبير، وحماية المؤسسات الدستورية. وقد احتلت هذه المبادئ مكانة مهمة في رؤيته ومواقفه السياسية.
ومن أبرز الرسائل التي تحملها تجربة الرئيس بارزاني السياسية أن قوة كوردستان تكمن في وحدتها وتعاونها ومشاركة جميع مكوناتها وقواها السياسية، وليس في إقصاء بعضها بعضاً أو تعطيل المؤسسات. وهذه الرؤية تمثل أساساً مهماً لبناء مستقبل مستقر وديمقراطي لكوردستان.
كذلك، لا ينبغي إغفال الدور التاريخي والسياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني في دعم الحرية والديمقراطية. ففي تاريخ النضال السياسي الكوردي، كانت الحرية وحق الشعب في تقرير مصيره وحقه في التمثيل السياسي من المبادئ التي شكلت جانباً مهماً من نضال الشعب الكوردي ومسيرته.
لقد كان للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بوصفه أحد أقدم الأحزاب السياسية وأكثرها تأثيراً في كوردستان، دور مهم في المراحل المختلفة لتطور التجربة السياسية والمؤسساتية في إقليم كوردستان. فمن النضال من أجل الحرية والحقوق القومية، وصولاً إلى المشاركة في العملية السياسية وبناء مؤسسات الإقليم، يشكل هذا الحزب جزءاً من تاريخ كوردستان المعاصر. كما كانت مساندة التعددية السياسية والمشاركة في العملية الديمقراطية جزءاً من تجربته السياسية.
لكن الرسالة الأهم هي أن الديمقراطية لا تُبنى بمجرد وجود البرلمان وإجراء الانتخابات، بل تترسخ من خلال احترام القانون، وحماية حقوق المعارضة، وحرية التعبير، وقبول نتائج الانتخابات، والالتزام بالمؤسسات الدستورية. وهذه هي المبادئ الأساسية لأي نظام ديمقراطي، وينبغي لجميع القوى السياسية الالتزام بها عملياً.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نتحدث بصراحة: إن مقاطعة الجلسة من جانب بعض الأطراف السياسية كانت موقفاً يستحق النقد فإذا كان لدى أي طرف اعتراض، فإن البرلمان هو المكان الطبيعي للتعبير عن ذلك الاعتراض، فهو ساحة النقد والحوار والتنافس السياسي والبحث عن الحلول. إن المقاطعة وحدها لا تحل أي مشكلة، بل قد تؤدي إلى إبعاد أصوات المواطنين الذين منحوا أصواتهم لتلك الأطراف عن عملية صنع القرار.
إذا كان هناك إيمان حقيقي بالديمقراطية، فيجب أن يظهر هذا الإيمان في الممارسة العملية، من خلال المشاركة في الجلسات، واستخدام حق النقد والتصويت، والدفاع عن حقوق المواطنين الذين انتخبوا ممثليهم. فالديمقراطية لا تعني فقط قبول النتائج التي تتوافق مع رغباتنا السياسية، بل تعني احترام القواعد والإجراءات الديمقراطية في جميع الظروف.
إن التجربة الديمقراطية في كوردستان تجربة مهمة، وهي بحاجة إلى الحماية والتطوير. فنحن نعيش في منطقة لا تزال دول كثيرة فيها تواجه مشكلات جوهرية في مجال الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، والمؤسسات الدستورية. لذلك، ينبغي أن ننظر إلى تجربتنا بروح المسؤولية، وأن نحافظ عليها بالممارسة والعمل.
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني وسائر القوى السياسية أمام مسؤولية مشتركة، تتمثل في حماية المبادئ التي مكّنت كوردستان من بناء تجربة مهمة في مجال التعددية السياسية والمؤسساتية وتعزيزها. وهذه المسؤولية لا تتحقق بالكلام وحده، بل تحتاج إلى العمل، والتسامح السياسي، واحترام حقوق جميع المكونات والأطراف.
إن الرسالة اليوم واضحة: تزداد كوردستان قوة بقوة مؤسساتها، وليس بإضعافها. فلا حزب أكبر من المؤسسات، ولا يجوز أن يتحول أي خلاف سياسي إلى سبب لتعطيل عملها. فالاختلاف في الديمقراطية أمر طبيعي، لكن معالجة الخلافات في إطار القانون والمؤسسات هي مسؤولية ديمقراطية.
إن الوقت الآن هو وقت الوحدة والتعاون، ووقت عودة جميع الأطراف إلى قاعة البرلمان والعمل معاً من أجل خدمة الشعب. فالشعب ينتظر الخدمات والإصلاحات وفرص العمل والحياة الأفضل، وليس استمرار الخلافات والمقاطعة. وما هو مهم في هذه المرحلة أن يشعر كل طرف بمسؤوليته تجاه الشعب.
وفي الختام، ينبغي ألا ننسى حقيقة أن أي مؤسسة لا تكون قوية من دون دعم الشعب، وأن أي عملية ديمقراطية لا يمكن أن تنجح من دون احترام إرادة المواطنين.
إرادة الشعب هي أساس الديمقراطية فلنحافظ جميعاً على هذه الإرادة، ولنعمل من أجل كوردستان أقوى وأكثر حرية وديمقراطية، من أجل أجيال المستقبل.

قد يعجبك ايضا
∧