طريق الشقاق أم طريق الدولة؟

بقلم: گەرمیان صلاح الدين

العراق بين مطرقة “الدولة الموازية” وسندان استعادة السيادة

يُعد مفهوم “دولة ضمن دولة” أو ازدواجية السلطة والنفوذ، من أخطر التحديات التاريخية والوجودية التي تواجه الدولة العراقية الحديثة. وفي وقت يسعى فيه العراق جاهدًا لتثبيت أركان مؤسساته الدستورية والأمنية وبناء علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي، تظل معضلة تعدد مراكز القرار واحتكار السلاح تمثل العثرة الأكبر أمام بسط سيادة القانون وتحقيق الاستقرار المستدام.

هذا الواقع المعقد يضع صانع القرار العراقي والمؤسسات الوطنية أمام معادلة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات السياسية المعقدة، والضغوط الإقليمية، والضرورات الأمنية الملحة.

أولاً: تجليات ثنائية السلطة والنفوذ في المشهد العراقي

تتجلى ثنائية السلطة في العراق على مستويين رئيسيين يعطلان عجلة بناء الدولة:

الاحتكار المتنازع عليه للقوة المسلحة:
وفقاً للدستور العراقي، يُفترض أن تكون القوات المسلحة الرسمية (بما فيها الجيش، والشرطة الاتحادية، وجهاز مكافحة الإرهاب، وبإشراف القائد العام للقوات المسلحة) هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح والدفاع عن سيادة البلاد وسلامة أراضيها. في المقابل، يبرز على الأرض وجود تشكيلات وفصائل مسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية، تمتلك قدرات تسليحية نوعية، وشبكات مصالح، وولاءات قد تتقاطع أحياناً مع سلطة القرار المركزي، مما يخلق مركز ثقل موازياً لسلطة الدولة.

ازدواج القرار السيادي (الأمني والسياسي والاقتصادي):
تتخذ قرارات مصيرية متعلقة بالحرب والسلم، أو التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية، بمعزل عن المؤسسات الرسمية المختصة أو تحت ضغط سياسي وميداني، مما يضعف هيبة العراق الدبلوماسية في المحافل الدولية. أما على الصعيد الاقتصادي، فتُشكل شبكات التمويل الموازية عبر السيطرة على بعض المنافذ الحدودية أو الأنشطة التجارية ضغطاً هائلاً على الخزينة العامة، وتحد من قدرة الحكومة على تنفيذ خططها التنموية والإصلاحية الشاملة.

ثانياً: النموذج الناجح لإقليم كوردستان كمرتكز للسيادة والاستقرار

حين نبحث عن آليات عملية للخروج من أزمة ازدواجية السلطة، يبرز نموذج إقليم كوردستان العراق كنموذج مؤسسي رائد وناجح في إدارة الشأن الداخلي، وفرض الأمن، وحماية الاستقرار ضمن إطار الدستور الاتحادي:

* الاستقرار المؤسسي والإداري: نجح الإقليم في بناء مؤسسات حكومية وقضائية وتشريعية منتظمة ومستقرة، تعمل وفق سياقات إدارية واضحة بعيدة عن الفوضى وتعدد مراكز النفوذ غير القانوني.
* الأمن المتمثل بقوات البيشمركة: تُشكل قوات حرس الإقليم (البيشمركة) منظومة دفاعية منضبطة وفاعلة تابعة للسلطات الرسمية في الإقليم ومنضوية دستورياً ضمن المنظومة الدفاعية للعراق، وقد أثبتت عبر العقود كفاءة عالية في حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب وحماية الاستقرار الإقليمي والدولي.
* التنمية والشراكة الاقتصادية: استطاع الإقليم جذب الاستثمارات وبناء بنية تحتية متطورة، وتحويل مدنه إلى واحات للأمن والسياحة والاستثمار، مما يعكس قدرة الإدارة الرشيدة على إنتاج نموذج دولة ناجح ومستقر.
* إن الاستفادة من هذا النموذج المؤسسي الاتحادي وتعميم روحه على عموم المحافظات العراقية يمثل طوق نجاة حقيقي لتثبيت دعائم الدولة الموحدة القوية.

ثالثاً: مساعي وحلول استرجاع السيادة الوطنية الشاملة

إن استعادة السيادة الكاملة ليست شعاراً عاطفياً يُرفع في المناسبات، بل هي مسار وطني طويل ومعقد يتطلب إرادة سياسية صلبة واستراتيجيات متكاملة ترتكز على مسارين أساسيين:

1. المسار المؤسسي والأمني:

حصر السلاح بيد الدولة: وهو المحك الأساسي والشرط المسبق لأي سيادة حقيقية. يتطلب ذلك دمج العناصر القتالية الراغبة في خدمة المؤسسات الرسمية ضمن أطر القانون (مثل تنظيم هيئة الحشد الشعبي تحت الإمرة المباشرة للقائد العام للقوات المسلحة)، وحل التشكيلات التي ترفض الخضوع لسلطة الدولة والقانون.

إصلاح وهيكلة المؤسسة العسكرية: رفع كفاءة القوات المسلحة لتكون قادرة على حماية الحدود وفرض الأمن الداخلي بكفاءة عالية، مع تعزيز التكامل والتنسيق العالي بين المؤسسات الاتحادية وقوات حرس الإقليم (البيشمركة) كنموذج للدفاع المشترك عن سيادة الوطن.

تأمين الحدود والسيادة الإقليمية: فرض السيطرة الكاملة على المنافذ الحدودية لقطع دابر التهريب وتجفيف منابع تمويل الكيانات غير الرسمية، ومنع أي انتهاك للأجواء أو الأراضي العراقية.

2. المسار السياسي والدستوري:

تعزيز هيبة وسيادة القانون: تفعيل دور القضاء ومؤسسات الرقابة للحد من سطوة المجموعات العابرة للقانون، وتطبيق مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة الدستور فوق كل الولاءات الفرعية (الطائفية، العشائرية، أو الحزبية).

التوافق الوطني على عقيدة أمنية موحدة: صياغة استراتيجية أمن قومي خالصة تتفق عليها كافة القوى السياسية، مستلهمة من تجارب الاستقرار الناجحة داخل البلاد، بحيث يُنظر إلى أمن الدولة العراقية على أنه مصلحة عليا لا تقبل المساومة أو الارتباط بأجندات صراعية خارجية.

إصلاح النظام السياسي: معالجة معضلة المحاصصة الحزبية التي تتيح للكتل السياسية توفير الغطاء والحماية للكيانات المسلحة خارج إطار الدولة مقابل المكاسب الانتخابية والمادية الضيقة.

رابعاً: التحديات والمعوقات الكبرى

لا شك أن الطريق إلى السيادة المطلقة محفوف بالتحديات؛ أبرزها:

التجاذبات الإقليمية والدولية: حيث يُنظر إلى العراق أحياناً كساحة لتلاقي وصراع المصالح الخارجية، مما يجعل أي خطوة لتفكيك مراكز القوى الموازية عرضة لضغوط هائلة.

هشاشة التوافقات السياسية: إذ تُبنى الحكومات المتعاقبة غالباً على تسويات هشة تستهدف إرضاء كافة الأطراف، مما يجعل رئيس الحكومة مكبلاً في اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة.

الاستقلال الاقتصادي لشبكات النفوذ: تحول بعض أشكال النفوذ الموازي إلى إمبراطوريات اقتصادية قادرة على تمويل نفسها بمعزل عن موازنة الدولة.

لذلك إن الخروج من معادلة “الدولة ذات الكيان المزدوج” إلى “الدولة ذات السيادة المطلقة” ليس مستحيلاً، بل هو استحقاق حتمي لحماية مستقبل الأجيال. ويتأتّى ذلك عبر الاستفادة من التجارب والنموذج الناجح لإقليم كوردستان في البناء المؤسسي وفرض سيادة القانون، وتضافر إرادة وطنية جامعة وتدرج مدروس يوازن بدقة بين فرض هيبة الدولة والحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار العام، ليعود العراق واحة أمن واستقرار ومحور توازن فاعل في المنطقة والعالم.

ولا ننسی إن إرث 106 أعوام من عمر الدولة العراقية، وما رافقه من إحباطات وفقدان للأمل بسبب فساد السياسات وتراكم الأزمات، لا ينبغي أن يكون سبباً للاستسلام، بل يجب أن يتحول إلى دافع حقيقي للتغيير الجذري. إن الانتقال من معادلة “الدولة ذات الكيان المزدوج” إلى “الدولة ذات السيادة المطلقة” يتطلب إرادة وطنية جامعة، والاستفادة من النماذج الناجحة في الداخل كإقليم كوردستان، لتضميد جراح العقود الماضية وبناء عراق عادل، مستقر، ومقتدر على صنع مستقبله الفدرالي او تغییر نظامه الي نظام كونفدرالي لان رجوع لاي صیغة تنتمي الي الماضي يفتت العراق و یغیر خارطته للابد.

قد يعجبك ايضا
∧