ما لا يقوله النص وما يتركه للتأويل مناظرة نقدية في قصة «خيط لم ينقطع» لحسن علي البطران

د. زيد محمد كاظم

مقاربة نقدية حوارية مع قراءة الأستاذ طه عبد الرحمن

حين تصبح القراءة موضوعاً للنقد
ليست مهمة النقد الأدبي أن يشرح النص ويكشف أحداثه فحسب، بل أن يحاور بنيته، ويختبر دلالاته، ويبحث في المساحات التي تركها الكاتب مفتوحة أمام القارئ. ومن هذا المنطلق، تكتسب قراءة الأستاذ طه عبد الرحمن لقصة «خيط لم ينقطع» للقاص حسن علي البطران أهمية خاصة؛ لأنها لا تتوقف عند ظاهر الحكاية، بل تحاول ضبط حدود التأويل، والتحذير من تحميل النص معاني لا تسندها عباراته. غير أن القراءة النقدية، مهما بلغت من الانضباط المنهجي، تظل ممارسة تأويلية قابلة للمراجعة والمناقشة.

فالناقد الذي يدعو إلى عدم اختراع ما لم يقله النص، يمارس بدوره عملية اختيار بين دلالات متعددة، ويمنح بعض العلامات أهمية أكبر من غيرها. ومن هنا تنطلق هذه المناظرة من سؤال جوهري: هل نجح الناقد في تحرير النص من سلطة التأويل، أم أن محاولته ضبط التأويل أنتجت تأويلاً آخر لا يقل اجتهاداً عن التأويلات التي حذّر منها؟ فإن قصة «خيط لم ينقطع» لا تتجاوز ثلاثة أسطر، لكنها تضع القارئ أمام حدث تتداخل فيه الإرادة الإنسانية مع القرار والمصير، وتختزل مواجهة بين شخصيتين في فعلين متقابلين: الاعتراض والإصرار، قبل أن تنتهي بمشهد ولادة ثلاثة توائم.

«اعترض على إجراء العملية، فأصرت عليها. تقافزت الممرضات فرحاً بثلاثة توائم…!»

وهذه المساحة السردية المحدودة هي التي تجعل النص قابلاً لقراءات متعددة، وتمنح المناظرة النقدية مشروعيتها.

سلطة التأويل وحدود النص.. هل الغموض نقص أم استراتيجية فنية؟

ينطلق الأستاذ طه عبد الرحمن من موقف منهجي واضح، يتمثل في ضرورة مقاومة ما يسميه إغراء المعرفة الزائدة؛ إذ يحذر من تحديد طبيعة العملية أو طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، أو اختراع أسباب الاعتراض والإصرار من دون وجود إشارات نصية كافية. وهذه نقطة تحسب لقراءته؛ لأنها تميز بين المعطى السردي والافتراض التأويلي، وتحافظ على استقلال النص من التدخلات التي قد تفرض عليه حكاية لم يكتبها صاحبه. فهذه الأطروحة تفتح باباً لسؤال نقدي آخر: هل ينبغي للناقد أن يكتفي بما يقوله النص صراحة، أم أن مهمته تتطلب استكشاف ما ينتجه المسكوت عنه من دلالات؟ فالغموض في القصة القصيرة جداً ليس بالضرورة نقصاً في المعلومات، فقد يكون اختياراً جمالياً مقصوداً، يستند إلى الحذف والإضمار والاقتصاد اللغوي.

فالقاص لم يحدد طبيعة العملية، ولم يكشف أسباب الاعتراض، ولم يمنح الشخصيات خلفيات نفسية أو اجتماعية، لكنه وضع القارئ أمام نتيجة تفرض عليه إعادة التفكير في الموقف الأول. وهنا لا يكون المسكوت عنه مجرد فراغ، بل يتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى. فالناقد حين يمتنع عن تفسير طبيعة العملية، يكون قد اختار موقفاً تأويلياً محدداً، وهو المحافظة على حدود الدلالة المباشرة. لكن هذا الموقف لا يلغي مشروعية القراءات الاحتمالية التي تستند إلى القرائن النصية. فالنص لا يطالبنا باختراع حكاية غائبة، لكنه يمنحنا الحق في مساءلة غيابه. فالفرق كبير بين أن ننسب إلى الشخصيات دوافع لم يذكرها الكاتب، وبين أن نحلل وظيفة عدم ذكر تلك الدوافع في البناء السردي. وبذلك نختلف مع القراءة الأصلية في حدود التحفظ التأويلي، لا في مبدئه؛ لأن احترام النص لا يعني إغلاق أبواب المعنى، وإنما يعني أن تكون كل قراءة مسؤولة عن الأدلة التي تستند إليها.

صراع الإرادات والسلطة الجندرية.. من يمتلك حق القرار؟

يقرأ الأستاذ طه عبد الرحمن العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال توزيع الأفعال السردية؛ فالرجل يعترض، والمرأة تصر، ثم تظهر الممرضات في نهاية القصة ليمنحن الحدث امتداده الوجداني والاجتماعي. ويلفت الناقد إلى أن الحضور الأنثوي يبدأ بإرادة فردية وينتهي بفرح جماعي، في حين ينقطع ذكر الرجل بعد اعتراضه. وهذه ملاحظة مهمة، لكنها تستحق توسيعاً يتجاوز الوصف اللغوي إلى مساءلة البنية الاجتماعية التي تنتظم داخلها الشخصيات.

فالفعلان «اعترض» و«أصرت» لا يمثلان مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشفان عن مواجهة بين سلطتين في اتخاذ القرار. الأولى تحاول إيقاف إجراء ما، والثانية تتمسك بالمضي فيه. وبذلك يصبح النص قابلاً للقراءة من منظور السلطة الجندرية، ولا سيما في علاقته بحق المرأة في اتخاذ قرار يتصل بجسدها ومصيرها. لكن هل يكفي هذا التقابل لنعلن انتصار المرأة على الرجل؟

وهنا يجب الحذر من إنتاج حكم أيديولوجي يتجاوز النص. فالقصة لا تكشف أسباب اعتراض الرجل، ولا طبيعة العملية، ولا الظروف التي دفعت المرأة إلى الإصرار. ولذلك لا يمكن اعتبار الرجل ممثلاً للسلطة الذكورية المتسلطة، كما لا يمكن اعتبار المرأة نموذجاً للتحرر والانتصار بصورة قطعية. فإن توزيع الأفعال يمنح المرأة موقعاً سردياً أكثر تأثيراً؛ فهي صاحبة الإصرار الذي يستمر حتى نهاية الحكاية، بينما يبقى الرجل محصوراً في لحظة الاعتراض.

وهذه المفارقة تستحق القراءة؛ لأن القاص لم يمنح الشخصيتين المساحة السردية نفسها، بل جعل فعل المرأة هو الذي يقود الحدث إلى خاتمته. وهنا يمكن تجاوز قراءة الأستاذ طه خطوة أخرى: فالمسألة ليست فقط أن الحضور الأنثوي ينتهي بفرح جماعي، وإنما أن النص يمنح الإرادة الأنثوية استمرارية سردية لا يمنحها للإرادة الذكورية. وإن هذا التفاوت قد يكون مقصوداً لإبراز استقلالية القرار، وقد يكون مجرد ضرورة فنية للاقتصاد السردي. وفي الحالتين، فإنه يظل علامة تستحق التحليل، من دون تحويلها إلى حكم نهائي بشأن دوافع الشخصيات.

مفارقة النهاية وفلسفة القرار.. هل تصنع النتيجة صواب الاختيار؟

تتمثل إحدى أهم نقاط قراءة الأستاذ طه عبد الرحمن في تمييزه بين القرار ونتيجته؛ فهو يرى أن النهاية السعيدة لا تمنح القرار السابق شرعيته بصورة تلقائية، لأن نجاح العملية لا يكشف بالضرورة عن المعطيات التي كانت متاحة للشخصيات لحظة اتخاذ القرار. وهذا طرح فلسفي مهم، لكنه يفتح أمامنا مجالاً لمناقشة الوظيفة الفنية للنهاية ذاتها. فالقصة تبدأ بفعلين متعارضين، ثم تنتقل مباشرة إلى مشهد الاحتفال بولادة ثلاثة توائم. وهذا الانتقال لا يؤدي وظيفة إخبارية فحسب، بل يصنع مفارقة سردية تعيد تشكيل فهم القارئ للبداية. فبعد أن كان الاعتراض هو الفعل الأول الذي يحدد طبيعة الصراع، يصبح الفرح هو الفعل الأخير الذي يهيمن على ذاكرة المتلقي.

فالنهاية لا تحسم السؤال الأخلاقي بشأن صواب القرار، لكنها تحسم الانفعال السردي لصالح النتيجة السعيدة. وهذا فرق جوهري بين الحكم على الشخصيات والحكم على البناء الفني. فالناقد محق في أن النتيجة لا تكفي لإثبات أن القرار كان صائباً بكل معطياته، لكننا نرى أن القاص تعمد استخدام النهاية لتوجيه استجابة القارئ وإعادة ترتيب موقفه من الحدث.

أما عبارة «ثلاثة توائم» فتحمل قيمة سردية تتجاوز العدد؛ فهي تضاعف المفاجأة، وتنقل الحدث من مجرد نجاح إجراء طبي إلى مشهد ولادة جماعية، الأمر الذي يمنح النهاية كثافة انفعالية تتناسب مع قصر النص.

ويمكن هنا إثارة سؤال آخر: لماذا اختار القاص أن تنتهي القصة بفرح الممرضات، لا بفرح المرأة نفسها أو الرجل؟

وإن هذا الاختيار ليس تفصيلاً عابراً؛ فالممرضات يمثلن جماعة شاهدة على الحدث، ويصبحن وسيطاً بين التجربة الفردية والاستجابة الاجتماعية. فالفرح لا يصدر عن صاحبي القرار وحدهما، بل يأتي من المحيط المهني الذي شهد النتيجة. وهكذا ينتقل النص من صراع فردي إلى مشهد جماعي، ومن اختلاف في المواقف إلى احتفال بالنتيجة.

أما لفظة «تقافزت» تحديداً، فتستحق التوقف؛ لأنها لا تنقل شعور الفرح فقط، بل تجسده في حركة جسدية. فالقاص لم يقل إن الممرضات سعدن أو ابتسمن، وإنما اختار فعلاً حركياً يحمل شحنة انفعالية واضحة، ويمنح النهاية طاقتها البصرية. وبهذا المعنى، فإن قوة الخاتمة لا تكمن في حل الخلاف بين الرجل والمرأة، وإنما في تحويل مسار الحكاية من التوتر إلى الدهشة، تاركةً أسباب الخلاف معلقة في فضاء التأويل.

حين لا يكون النقد تفسيراً للنص بل حواراً معه

إن قراءة الأستاذ طه عبد الرحمن تمثل جهداً نقدياً واعياً في التعامل مع القصة القصيرة جداً، ولا سيما في تنبيهه إلى خطورة إسقاط الافتراضات على النص، وفي تمييزه بين النتيجة السعيدة وصواب القرار السابق عليها. غير أن مناقشة هذه القراءة تكشف أن التحفظ التأويلي لا ينبغي أن يتحول إلى تضييق لمساحات المعنى؛ فالنص الأدبي لا يعيش بما يقوله فقط، بل بما يتركه من فراغات، وما يثيره من أسئلة، وما يسمح به من احتمالات تستند إلى بنيته اللغوية والسردية.

فإننا لا نختلف مع الأستاذ طه في ضرورة احترام حدود النص، وإنما نختلف معه في مقدار المساحة التي يمكن أن يمنحها الناقد للمسكوت عنه. فالتأويل المسؤول ليس هو الذي يتوقف عند حدود العبارة، بل الذي يعبر منها إلى احتمالات المعنى من دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية. وأن القصة لا ينبغي أن تُختزل في صراع بين إرادتين، أو في نهاية سعيدة لعملية طبية، وإنما يمكن قراءتها بوصفها نصاً يطرح إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة القرار الإنساني، وحق الاختيار، وعلاقة النوايا بالنتائج، وحدود المعرفة التي يمتلكها الإنسان قبل مواجهة مصيره. ولعل المفارقة الأهم أن القصة التي تبدأ بالاعتراض تنتهي بالفرح، لكنها لا تخبرنا إن كان الاعتراض قد انتهى بالاقتناع، أو أن الإصرار كان انتصاراً لإرادة مستقلة، أو أن النتيجة السعيدة هي التي جعلتنا نعيد تقييم الموقف برمته.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للنص: أنه يمنحنا نتيجة واضحة، لكنه يحجب عنا الطريق الذي قاد إليها. فهل كان القرار صائباً لأنه انتهى إلى الفرح، أم أن الفرح هو الذي جعلنا نراه صائباً؟ ذلك هو السؤال الذي يظل معلقاً بعد انتهاء القصة، وربما كان هذا التعليق هو الخيط الذي لم ينقطع بين النص والقارئ، وبين الحكاية وتأويلها.

رأيي النقدي: هذه المناظرة لا تسعى إلى إبطال قراءة الأستاذ طه عبد الرحمن، بل إلى الانتقال من نقد القصة إلى نقد آليات قراءتها. وأهم إضافة فيها هي التمييز بين ثلاثة مستويات: ما يقوله النص، وما ينتجه بناؤه الفني، وما يضيفه القارئ من تأويل. وهذا التمييز يجعل الحوار النقدي أكثر عمقاً وموضوعية، ويمنحه استقلالية فكرية بدلاً من أن يكون مجرد رد على قراءة سابقة.

قد يعجبك ايضا
∧