صالح شيخ محمد الكسنزاني
هذا موضوع يستحق النقاش والتأمل، ولا يعني طرحه بأي حال من الأحوال الدعوة إلى الاستسلام أو الخنوع. فكاتب هذه السطور ليس عاجزاً عن استخدام السلاح، ولا يخشى المواجهة، وقد استخدم أنواعاً متعددة من وسائل القوة، ولا يضيره اللجوء إليها حين تفرض الضرورة ذلك. كما أنه ليس من أتباع غاندي أو كمال جنبلاط، ولا يتبنى نظرية اللاعنف بوصفها مبدأً مطلقاً، لكنه يؤمن بأن المرحلة التاريخية والظروف السياسية والموضوعية هي التي تحدد أساليب النضال والكفاح، وأن الوسيلة ينبغي أن تكون خادمة للهدف، لا أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها.
إن الصراع الدائر اليوم بين الشعب الكوردي ومحيطه الإقليمي والدولي المعادي هو صراع وجودي بامتياز، ولا يمكن اختزاله في المواجهة العسكرية أو حصره في العمل المسلح وحده. فهذا الصراع، بأهدافه وأبعاده، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، بل ونفسي أيضاً. ومن ثم، فإن الواقعين الموضوعي والذاتي، وما يفرزانه من معطيات وتحولات، هما اللذان يحددان مسارات المواجهة وأشكال النضال، ويحددان الأولويات التي ينبغي العمل عليها في كل مرحلة.
ومن المعروف أن الأهداف الاستراتيجية للحزب الديمقراطي الكوردستاني تقوم على مجموعة من المرتكزات، وقد أعطى الحزب الأولوية لهدف الوحدة القومية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يتوقف البارتي، بمجرد تسلّمه السلطة، عن العمل من أجل تحقيق هدف الديمقراطية، إلى حين تحقيق شعار الوحدة بين أبناء الشعب الكوردي؟
كان الجواب عملياً: كلا. فالسعي نحو الأهداف الاستراتيجية لا يتوقف عند هدف واحد، وإنما يتحرك وفق ما تسمح به الإمكانات والظروف المتاحة، حتى وإن ظلت الوحدة القومية هي الطموح الأكبر. وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن أهداف الأمة الكوردية في صراعها الوجودي ينبغي ألا تتوقف عند هدف التحرير من خلال البندقية، على الرغم من أهمية الكفاح المسلح وأولويته في مراحل تاريخية معينة، بل يجب أن تشمل مختلف ميادين النضال والعمل الوطني.
لقد اعتمدت شعوب كثيرة، في مواجهة الاحتلال والاستعمار والأنظمة الاستبدادية، على العمل المسلح وغيره من أساليب المقاومة، سعياً إلى انتزاع حق تقرير المصير وتحقيق التحرر والسيادة. غير أن تجارب الشعوب أثبتت أيضاً أن الكفاح لا يتخذ شكلاً واحداً، وأن أدواته تتغير تبعاً للظروف السياسية والتاريخية وموازين القوى.
وفي هذا السياق، لطالما نظر الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى الكفاح الشعبي، بأشكاله الثقافية والسياسية والديمقراطية، باعتباره وسيلة أساسية للدفاع عن الحقوق القومية، وتحرير الأراضي الكوردستانية، ومواجهة الاحتلال، ولا سيما الاحتلال الاستيطاني، كما يحدث اليوم في بعض المناطق الكوردستانية.
لقد احتل مفهوم الكفاح المسلح مكانة بارزة في العقيدة النضالية للحزب، وأكدت أدبياته وبياناته مراراً أن الأمة الكوردية لا تستطيع استرداد حقوقها في ظل المشاريع الرامية إلى إنكار وجودها ومصادرة إرادتها، ما لم تمتلك أدوات الدفاع عن نفسها ومواجهة تلك المشاريع.
وقد ارتبط الكفاح المسلح في التاريخ السياسي للحركة التحررية الكوردية بمقاومة الاستعمار والأنظمة التي استهدفت الوجود القومي الكوردي، كما تجسد في نضالات الشيخ محمود الحفيد، والشيخ أحمد البارزاني، والزعيم والرمز القومي والروحي للشعب الكوردي، الملا مصطفى البارزاني، الذين دافعوا عن كوردستان وحقوق شعبها في مراحل تاريخية بالغة الصعوبة.
ومن هنا، برز شعار: «التحرير يمر عبر فوهة بندقية»، بوصفه تعبيراً عن مرحلة تاريخية فرضت فيها الظروف السياسية والعسكرية اعتماد المقاومة المسلحة وسيلةً لمواجهة الاحتلال والاضطهاد القومي.
ويُعد هذا الشعار تحويراً وتوظيفاً سياسياً للشعار الثوري العالمي الشهير: «السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية»، الذي ارتبط بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ. كما تأثر الخطاب الثوري الكوردي بالأدب والشعر السياسي، ومنه ما نُسب إلى الشاعر نزار قباني في التعبير عن طريق التحرير والمقاومة.
أما السياق التاريخي الذي انتشر فيه هذا الشعار بكثافة، فيرتبط بالتحولات الفكرية والعسكرية التي شهدتها الحركة السياسية الكوردية، ولا سيما بعد نكسة عام 1975، وما رافقها من مؤامرة دولية استهدفت القضية الكوردية، وأدت إلى انتكاسة كبيرة في مسيرة الحركة التحررية الكوردية.
لقد حظي الكفاح المسلح، في مراحل عديدة، بتأييد شعبي واسع، وأصبح جزءاً من الوجدان القومي الكوردي. وقد فرض هذا الواقع على كثير من القوى والأطراف الكوردية، سواء كانت حزبية أو إقليمية أو حتى دولية، التعامل مع هذا الشكل النضالي ودعمه، إذا أرادت كسب التأييد الشعبي الكوردي. ولدينا عشرات النماذج التاريخية والمعاصرة التي تؤكد ذلك.
لكننا اليوم أمام معضلة فكرية وسياسية حقيقية، لا بد من مواجهتها بجرأة ومسؤولية، تتمثل في ضرورة التحرر من تقديس الوسيلة العسكرية، والانتقال إلى تقديس الهدف الوطني والقومي. فالبندقية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة ارتبطت بظروف ومراحل تاريخية محددة، ومن الخطأ تحويلها إلى عقيدة جامدة لا تقبل المراجعة أو التطوير.
وهنا ينبغي أن نتوقف طويلاً عند تجارب الشعوب الأخرى، وفي مقدمتها تجربة جنوب أفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا، التي استطاعت تحقيق هدف التحرر من نظام الفصل العنصري عبر مسار سياسي وتفاوضي، بعد أن نضجت الظروف الذاتية والموضوعية، وتضافرت عوامل الضغط الشعبي والدولي، وبلغت المقاطعة العالمية للنظام العنصري مستويات مؤثرة.
لقد شهد العالم آنذاك إدانة واسعة لسياسات الفصل العنصري والتمييز العرقي، وما رافقها من قمع وتهجير ومصادرة لحقوق السكان الأصليين، الذين تعرضوا للظلم والتهميش على أرضهم.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل نستطيع دراسة التجربة الجنوب أفريقية والاستفادة منها في القضية الكوردية؟ وهل يمكن أن نعمل على تهيئة الظروف الذاتية والموضوعية التي تجعل من الدعم الدولي والإقليمي والشعبي للقضية الكوردية قوة ضغط سياسية وأخلاقية فاعلة، على غرار ما شهدته تجربة جنوب أفريقيا؟
إن الظروف الدولية الراهنة، وما تشهده الساحة العالمية من تنامي التعاطف مع حقوق الشعوب المظلومة، تتيح فرصاً ينبغي استثمارها سياسياً وإعلامياً وثقافياً، من أجل تعريف العالم بحقيقة القضية الكوردية، وكشف جرائم الإبادة الجماعية والتهجير والتغيير الديموغرافي، ومواجهة سياسات التمييز والفصل العنصري.
إن الاستفادة من تجربة جنوب أفريقيا لا تعني التخلي عن الحقوق القومية أو القبول بنصف الحلول، ولا تعني التنازل عن هدف التحرير الكامل، بل تعني البحث عن وسائل أكثر فاعلية لتحقيق هذا الهدف، والعمل على تهيئة الظروف السياسية والدولية التي تضمن تحقيقه.
وفي المقابل، لا بد من إدانة وفضح كل ممارسة تسيء إلى عدالة القضية الكوردية، أو تستغل قدسية النضال والتحرير لتبرير أعمال تضر بالشعب وقضيته، مثل اختطاف الطائرات المدنية، أو احتجاز الرياضيين خلال الدورات الأولمبية، أو تفجير السيارات المفخخة في أوساط المدنيين، واستهداف النساء والأطفال وكبار السن تحت ذريعة الكفاح المسلح.
إن مثل هذه الممارسات لا تخدم القضية الكوردية، بل تلحق بها أضراراً سياسية وأخلاقية جسيمة، وتمنح خصومها الذرائع لتشويه نضال شعبنا العادل، وتقويض التعاطف الدولي معه، ولا سيما بعد أن شهد العالم حجم الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام العراقي السابق بحق الشعب الكوردي، من خلال حملات الأنفال، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وفي مقدمتها جريمة حلبجة، وما رافق ذلك من عمليات إبادة جماعية وتهجير وتدمير للقرى والبلدات الكوردستانية.
لقد أسهمت تلك الجرائم في كشف حقيقة المأساة الكوردية أمام الرأي العام العالمي، ووفرت للقضية الكوردية رصيداً كبيراً من التعاطف والتأييد الدولي. ومن واجبنا اليوم الحفاظ على هذا الرصيد وتعزيزه، لا تبديده بممارسات تتناقض مع القيم الإنسانية ومع عدالة قضيتنا.
ويبقى السؤال الثاني والأكثر أهمية: هل يستطيع الحزب إعادة النظر في هذه الشعارات ومناقشتها بجرأة، وإنتاج خطاب سياسي ونضالي جديد يتناسب مع المرحلة التي يعيشها العالم اليوم؟
نحن أمام عالم تتسع فيه دوائر التضامن مع حقوق الشعب الكوردي، ولا سيما في أوساط الشباب والجامعات والمعاهد ومراكز الفكر في الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية. كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أتاحت فرصاً غير مسبوقة لإيصال صوت الشعب الكوردي، وكشف تاريخه ومعاناته وتطلعاته إلى الحرية والكرامة وتقرير المصير.
إن هذه التحولات تفرض علينا الانتقال من الاكتفاء بالخطاب التقليدي إلى بناء استراتيجية نضالية متكاملة، تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والثقافي والإعلامي والقانوني، وتستثمر الرصيد الأخلاقي والإنساني للقضية الكوردية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه حقوق شعبنا.
إن قدسية القضية لا تعني قدسية الوسيلة، والتحرير ليس شعاراً يُرفع فحسب، بل هدف استراتيجي يتطلب اختيار الوسائل الأكثر فاعلية وملاءمة لكل مرحلة. فالبندقية قد تكون ضرورة في مرحلة، لكن السياسة والثقافة والدبلوماسية والقانون قادرة على فتح آفاق أوسع في مراحل أخرى.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل نتخلى عن الكفاح المسلح؟ بل: كيف نجعل جميع أشكال النضال في خدمة هدف التحرير، وكيف نحافظ على عدالة قضيتنا ومكانتها الأخلاقية والإنسانية أمام العالم؟