المنطقة تتجه نحو مزيد من التعقيد… كيف تحمي كوردستان نفسها من دوامة الأزمات؟

شيركو حبيب

تمرّ المنطقة بمرحلة حساسة تشهد تحولات سياسية وعسكرية متسارعة. فالأزمات تتصاعد، والمواقف تزداد تشدداً، ولا تلوح في الأفق حتى الآن مؤشرات واضحة على التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الخلافات وتعيد الاستقرار إلى المنطقة. وفي ظل عجز المساعي الدبلوماسية عن فتح طريق فعّال للحل، تتزايد مخاطر اتساع دائرة الصراعات وانضمام أطراف جديدة إلى معادلات المواجهة.
في هذا السياق، فإن احتمال مشاركة مصر في هذه المعادلة، وتقديم دعم عسكري أو استراتيجي للسعودية، إذا أدى إلى توسيع نطاق المواجهة، قد يزيد الأوضاع الإقليمية تعقيداً. وعلى الرغم من أن أي قرار عسكري يحتاج إلى دراسة دقيقة للمخاطر والمكاسب، فإن تجارب المنطقة أثبتت أن زيادة عدد الأطراف المشاركة في الصراعات غالباً ما تؤدي إلى إبعاد الحلول وتوسيع دائرة المخاطر.
من جهة أخرى، فإن مواقف إسرائيل وخياراتها في التعامل مع أزمات المنطقة تؤدي دوراً مهماً في تحديد اتجاه الأحداث. فأي تغيير في سياسة هذا البلد وخياراته قد يؤثر في توازن القوى والعلاقات الدولية وأمن دول المنطقة. لذلك، فإن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد خلاف بين طرفين أو عدة أطراف، بل هو جزء من معادلة أوسع للصراع السياسي والاستراتيجي، يمكن أن تحدد مستقبل المنطقة.
العراق وكوردستان في مواجهة التحولات الإقليمية
بالتأكيد، لا يستطيع العراق أن يعزل نفسه عن تداعيات هذه التحولات. فموقعه الجغرافي، وعلاقاته مع دول الجوار، ووجود قوى وأطراف متعددة داخل سياسته الداخلية، كلها عوامل تجعل أي أزمة كبيرة في المنطقة مؤثرة في أوضاعه الأمنية والاقتصادية والسياسية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن بين هذه التداعيات، تبرز مخاطر اتساع الصراعات، وتزايد الضغوط السياسية، واختلال التوازنات الداخلية، وارتفاع الأعباء الاقتصادية. وإذا لم يتمكن العراق من تبني سياسة متوازنة ومسؤولة، فقد يتحول بصورة أكبر إلى ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
أما كوردستان، فهي ليست بمنأى عن هذه التأثيرات، بحكم موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها مع الأطراف الداخلية والخارجية، فضلاً عن طبيعة الأوضاع السياسية التي يعيشها العراق. ولذلك، فإن الحفاظ على الأمن والاستقرار في كوردستان لا يتحقق بالاستعدادات الأمنية والوعي السياسي وحدهما، بل يتطلب أيضاً وحدة الصف الداخلي، ودبلوماسية فاعلة، وقراراً سياسياً مشتركاً.
الخلافات الداخلية… نقطة ضعف الكورد
وسط كل هذه المخاطر، يبقى التشتت والانقسام الداخلي بين الكورد من أكثر الأمور إثارة للقلق. فإذا دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراعات والتحولات، فإن أي شعب أو طرف يمتلك الوحدة والقدرة على اتخاذ قرارات مشتركة سيكون أكثر قدرة على حماية مصالحه. وعلى العكس من ذلك، فإن التشتت والخلافات الداخلية يضعفان القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
المشكلة ليست في وجود اختلافات في وجهات النظر بين الأحزاب حول بعض القضايا، فالاختلاف السياسي أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية. لكن عندما تتحول هذه الاختلافات إلى عامل لإضعاف المؤسسات، وتعطيل القرار الوطني، وتقديم المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة العامة لكوردستان، فإن المخاطر تصبح أعمق وأكثر خطورة.
في مثل هذه الظروف، تستطيع الأطراف التي تعادي المصالح القومية للكورد استغلال الخلافات الداخلية لتحقيق أهدافها. وهذه إحدى الحقائق التي تكشفها التجارب السياسية للشعوب: عندما تضعف الجبهة الداخلية وتغيب الوحدة، تصبح الضغوط الخارجية أكثر تأثيراً، وتتسع فرص التدخل الخارجي.
وتدرك بعض الأطراف الخارجية جيداً أن الانقسام وغياب التفاهم داخل البيت الكوردي يشكلان فرصة مهمة لتحقيق أهدافها. وقد تكرر هذا الأسلوب في التعامل مع شعوب المنطقة بأشكال مختلفة عبر التاريخ السياسي. فعندما تنشغل الأطراف الداخلية بالصراع فيما بينها بدلاً من التعاون والحوار، تتمكن القوى الخارجية من استغلال هذا الوضع لحماية مصالحها، بل وقد تكتسب نفوذاً أكبر في توجيه مسار الأحداث.
وفي هذا السياق، تُروى ما تُنسب إلى ونستون تشرشل، السياسي البريطاني المعروف، تقول إنه دعا ذات يوم جميع وزرائه وعدداً من الشخصيات السياسية في بلاده إلى مأدبة في حديقته.
وبعد تناول الطعام، طلب تشرشل من أحد الحراس إطلاق أحد الديوك الموجودة في الأقفاص. ثم طلب من ضيوفه الإمساك بالديك وإعادته إلى قفصه. وعلى الرغم من المحاولات المتكررة والجهد الكبير، لم يتمكنوا من ذلك.
عندها طلب تشرشل إطلاق ديك آخر من قفصه. وما إن خرج الديك الثاني حتى دخل في شجار مع الديك الأول، وراح الاثنان يتناقران ويتعاركان. وفي تلك اللحظة، تقدم تشرشل وأمسك بأحد الديكين بسهولة، ثم أعاده إلى مكانه. وبعد ذلك التفت إلى ضيوفه وقال هذه هي السياسة
نعم، حتى لو كانت هذه القصة تُروى بوصفها مثالاً سياسياً، فإن رسالتها واضحة: عندما يدخل طرفان في صراع فيما بينهما، يستطيع طرف ثالث استغلال خلافهما وتحقيق مصالحه.
وللأسف، نرى الدرس نفسه في سياسات المنطقة. فالقوى الكبرى تستخدم مختلف الوسائل والفرص لحماية مصالحها وتحقيق أهدافها، بينما تجد شعوب المنطقة نفسها أمام مزيد من الأزمات والخسائر بسبب خلافاتها الداخلية. وإذا انشغل كل طرف بالتفكير في انتصاره الخاص، من دون مراعاة المصلحة العامة، فقد تكون النتيجة خسارة الجميع، في حين تحقق الأطراف الخارجية المكاسب.
من هنا، يتعين على القوى السياسية الكوردية أن تعيد النظر بعناية في مواقفها وسياساتها. فلا ينبغي أن تتحول الخلافات الحزبية إلى سبب لفقدان الفرص الوطنية، أو أن تجد كوردستان نفسها في مرحلة حساسة من دون قرار مشترك واستراتيجية واضحة.
على الكورد الخروج من دائرة الأزمات
يحتاج الكورد اليوم إلى موقف سياسي يتسم بالحكمة والوعي، لا يقوم على الخوف والتسرع، ولا على الارتهان للقوى الخارجية. فحماية مصالح كوردستان تتطلب إقامة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، والحفاظ على الروابط الوطنية، والابتعاد عن كل سلوك يمكن أن يجعل كوردستان جزءاً من صراعات خارجية لا تخدم مصالحها.
ولا يعني ذلك الابتعاد عن الدبلوماسية والعلاقات الدولية، بل على العكس، ينبغي لكوردستان تعزيز علاقاتها، ولكن في إطار مصالحها الخاصة، وبالاستناد إلى قرار سياسي مستقل. فهناك فرق كبير بين أن تكون كوردستان شريكاً فاعلاً في الحوار وتسوية الأزمات، وبين أن تصبح جزءاً من صراعات تُصنع خارج حدود قرارها وإرادتها.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تتجسد الوحدة الكوردية في الممارسة العملية، لا أن تبقى مجرد شعارات وخطابات. والمطلوب هو الالتقاء حول ثوابت وطنية مشتركة، تتمثل في حماية منجزات كوردستان، والدفاع عن حقوقها الدستورية، وتعزيز مؤسساتها، ومنع تحول الخلافات الداخلية إلى أداة للضغط على الكورد وإضعاف موقفهم.
المستقبل يُبنى بالوعي والوحدة
يمر الشرق الأوسط بمرحلة لا يستطيع فيها أي طرف أن يجزم إلى أين ستتجه أحداث الغد. وقد تتمكن الدبلوماسية من فتح طريق لتهدئة الأوضاع، لكن إذا اتسعت دائرة الصراعات، فإن تداعياتها لن تبقى محصورة في نطاق جغرافي أو سياسي محدد.
لذلك، ينبغي لكوردستان أن تستعد لاحتمالي الاستقرار والتصعيد. غير أن الاستعداد لا يعني الجاهزية الأمنية وحدها، بل يشمل الوحدة السياسية، وتعزيز الاقتصاد، والحفاظ على العلاقات الوطنية، ووضع استراتيجية واضحة للتعامل مع التحولات المقبلة.
إن الرسالة الأساسية واضحة: عندما تتجه المنطقة نحو مزيد من التعقيد، لا يجوز للكورد أن يضعفوا جبهتهم الداخلية بأيديهم. فحماية المصالح القومية الكوردية لا تعتمد فقط على المواقف تجاه القوى الخارجية، بل تعتمد أيضاً على قدرة الكورد على تحقيق الوحدة، واتخاذ القرارات المشتركة، والابتعاد عن دوامة الصراعات التي لا تحقق أي مكسب حقيقي لكوردستان.
إن مستقبل كوردستان لا يتحدد بمجرد مراقبة الأحداث، بل يتوقف على الطريقة التي يتعامل بها الكورد معها. وهذا هو الاختبار الذي تواجهه اليوم جميع القوى السياسية الكوردية في هذه المرحلة الحساسة.

قد يعجبك ايضا
∧