محمد علي محيي الدين
محمد رضا محمد صالح زاير دهام المخزومي، عالم نجفي نشأ في بيئة علمية ودينية أسهمت في تشكيل شخصيته العلمية والروحية، وجعلت من القرآن الكريم وعلوم الشريعة جزءاً أصيلاً من حياته. ولد سنة 1868 في مدينة النجف الأشرف، في محلة العمارة، ونشأ في بيت يقع في «عكَد الشيخ راضي»، وسط أجواء كانت فيها المدينة القديمة تختزن تقاليد العلم والعبادة، وتتجاور فيها البيوت مع المدارس والمساجد وحلقات الدرس، فينشأ أبناؤها على صلة مبكرة بالقراءة والقرآن والعلم.
كانت بدايته مع التعليم من خلال الكتاتيب، حيث تعلم القراءة والكتابة، وهي المرحلة التي كانت تمثل المدخل الطبيعي إلى الحياة العلمية في النجف. ثم أخذ يتدرج في تحصيله حتى بلغ مراحل الدرس العالي، وحضر الأبحاث على يد الشيخ محمد حرز الدين، صاحب كتاب «معارف الرجال»، الذي كان من العلماء المعروفين بعنايته بالتراجم وتوثيق سير رجال العلم. وقد أتاح له هذا التكوين أن يجمع بين المعرفة الشرعية والتقاليد العلمية التي عُرفت بها الحوزة النجفية، وأن يرسخ حضوره في بيئة كان العلم فيها جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها.
وتكشف الصفات التي توردها عنه الرواية المنشورة في صفحة «ماضي النجف وحاضرها» عن شخصية اتسمت بالبساطة والهدوء والتواضع، فقد كان بعيداً عن التكلف ومخالطة الناس الواسعة، لكنه شديد الصلة برسالته العلمية والدينية. وكان حريصاً على تبليغ الدين وتعليم الناس، واسع الصدر تجاه إخوانه، كثير الوفاء والدعاء لعلماء الأمة وسلفها الصالح. وهذه الصفات لا ترسم صورة عالم منعزل عن المجتمع بقدر ما تعكس نمطاً من العلماء الذين اختاروا أن يكون تأثيرهم من خلال العلم والتعليم والتوجيه، لا من خلال الحضور الاجتماعي الصاخب.
وإلى جانب تمكنه في الجوانب الشرعية، تشير الرواية نفسها إلى تمتعه باطلاع واسع وثقافة عصرية، وهي سمة جديرة بالتوقف عندها؛ فالنجف في تلك المرحلة لم تكن تعيش في عزلة كاملة عن التحولات الفكرية والثقافية التي كانت تعصف بالعالم، وكان بعض علمائها يسعون إلى متابعة ما يستجد من أفكار ومعارف مع الحفاظ على صلتهم بالتراث. ومن هنا يمكن فهم شخصيته بوصفها امتداداً لذلك النمط من العلماء الذين حاولوا أن يجمعوا بين رسوخ المعرفة الشرعية والانفتاح على الثقافة الأوسع.
وكان التعليم بالنسبة إليه أكثر من نقل للمعلومات؛ إذ ارتبط في تصوره بالتبليغ والإرشاد وبناء الإنسان. فالعالم الذي يعلّم الناس لا يورثهم المعرفة وحدها، وإنما يرسخ فيهم قيماً مثل التسامح وسلامة الصدر والوفاء واحترام أهل العلم. ولهذا ارتبطت صورته، في الرواية التي نقلتها صفحة «ماضي النجف وحاضرها»، بالهدوء وحسن السيرة والتواضع، وهي صفات منحت حضوره الإنساني قيمة لا تقل عن قيمته العلمية.
وعاش محمد رضا زاير دهام سنوات طويلة في النجف، وظل مرتبطاً ببيئتها العلمية والروحية حتى نهاية حياته. وفي سنة 1972 توفي بعد عمر امتد أكثر من قرن بقليل، ودُفن في الصحن الحيدري الشريف، في الحجرة رقم 3، ليكون مثواه الأخير في قلب المدينة التي شهدت ولادته ونشأته وتكوينه. وفي ذلك امتداد رمزي لسيرته؛ فقد بدأ حياته في أحياء النجف القديمة، حيث كان صوت القرآن حاضراً في البيوت والكتاتيب، وانتهى إلى جوار مرقد الإمام علي، في المكان الذي ارتبط تاريخياً بذاكرة علماء النجف ومجالسهم ومدارسهم.
ولا تستمد سيرة الشيخ محمد زاير دهام أهميتها من كثرة المؤلفات أو الشهرة الواسعة، وإنما من نموذج العالم الذي جعل حياته للعلم والتعليم والتبليغ، وحافظ على بساطته وهدوئه بعيداً عن مظاهر الوجاهة. ومثل هذه الشخصيات كثيراً ما تكون جزءاً من الذاكرة العميقة للمدن العلمية؛ إذ لا تُقاس آثارها دائماً بما تركته من كتب، وإنما بما زرعته من قيم وما أسهمت فيه من استمرار تقاليد العلم، وبما تركته من صورة للعالم الذي يرى في المعرفة مسؤولية وفي التعليم أمانة.
وهكذا بقي اسم محمد رضا محمد صالح زاير دهام مرتبطاً بالنجف، المدينة التي كانت له وطناً ومجالاً للعلم وفضاءً روحياً حتى رحيله. وتظل سيرته صورة لعالم عاش في هدوء، لكنه اختار أن يجعل من ذلك الهدوء مساحة للعلم والتأمل وخدمة الدين، وأن يترك أثره في النفوس من خلال السيرة الحسنة والتعليم والوفاء.
وقد اعتمدت السيرة على: صفحة «ماضي النجف وحاضرها»، في المعلومات المتعلقة بمولده ونشأته ودراسته وصفاته ووفاته وموضع دفنه.