ياسين الحديدي
كركوك
في بلد النفط والخيرات، مشهد يتكرر كل يوم، وكأنه جزء من الحياة اليومية التي اعتاد الناس رؤيتها:
طفل يبيع القدّاحات عند إشارات المرور..
امرأة مسنّة تجمع العلب الفارغة من حاويات النفايات..
شاب يدفع عربة يجمع فيها الخردة..
وفتاة، مثل سحر، تقود «ستوتة» لجمع النفايات، كي تطعم إخوتها وتوفر العلاج لأبيها الأعمى.
كركوك.. بعد مقال «اقتصاد القدّاحات والعلب الفارغة»، تعالوا نطبّق هذه النظرية على أرض الواقع في مدينتنا.
لدينا مجلس محافظة يُفترض أن يكون عين المواطن، والجهة الرقابية والمتابعة لشؤون أبناء كركوك. لكن ماذا يراقب؟ وماذا يتابع؟
يراقب بعض أعضائه بعضاً، ويتابعون من سيستحوذ على منصب المحافظ!
صراع داخلي لا ينتهي.. اجتماعات، وبيانات، وتصريحات، واتهامات، وتحالفات تنهار وأخرى تتشكل بين ليلة وضحاها.. والكل يريد الكرسي.
وفي الجوار، وعلى بُعد أمتار قليلة منهم، يقع مكبّ النفايات!
نعم، مكبّ النفايات بجوار مجلسهم الموقر، لكنهم لا يرونه. يرون الكرسي ولا يرون المكب، ويرون المنصب ولا يرون سحر، التي تقود «ستوتتها» كل يوم لتلتقط العلب الفارغة والكارتون والنايلون من ذلك المكب، علّها تجد ما يسدّ رمق إخوتها ويوفر العلاج لأبيها الأعمى.
أين أنتم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع»؟
وأين أنتم من عشرات الأشخاص الذين تمرّون بهم يومياً في شوارع كركوك، وهم يقودون عرباتهم و«ستوتاتهم» بحثاً عن العلب الفارغة ومخلّفات الآخرين؟
بدلاً من أن يقصّ أحدكم شريط افتتاح مول جديد أو مطعم فاخر، لماذا لا يقصّ شريط العبور إلى مكبّات النفايات؟
اذهبوا إلى هناك، وانظروا بأعينكم إلى أولئك الذين يعيشون على ما ترمونه أنتم. اقتربوا من معاناتهم، واستمعوا إلى حكاياتهم، فربما تدركون أن مسؤولياتكم أكبر بكثير من صراع المناصب وتقاسم الكراسي.
وأين خطباء الجمعة؟ وأين مواقفهم من هذا المشهد الإنساني المؤلم الذي يتكرر كل يوم؟
لماذا تنشغل بعض الخطب بتفاصيل الوضوء ونواقضه، بينما لا نسمع خطبة واحدة تتناول مأساة فتاة مثل سحر، اضطرتها قسوة الحياة إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل في جمع النفايات لإعالة أسرتها؟
أين أنتم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؟
أم أن الرعية، في نظركم، هم فقط أولئك الذين يصفقون لكم في القاعات المكيفة؟
أنا أتحدث معكم بلغة يبدو أنكم لا تفهمونها؛ لأنكم منشغلون بـ«الإتيكيت» والعروض الاستعراضية والتصوير و«الشو» الذي تمارسونه على حساب المعذبين والمحرومين.
تفتتحون المولات وتلتقطون الصور، والكاميرات تلاحق خطواتكم، وينتهي المشهد بانتهاء مراسم قصّ الشريط.
أما سحر، فلا كاميرا تلاحقها، ولا أحد يلتفت إلى معاناتها، باستثناء عدسة الصحفي والإعلامي فراس الحمداني، الذي أيقظ هذا الوجع وسلّط الضوء على قصتها، ووثّق معاناتها بالصورة. وقد سبق أن تواصل معه مكتب رئيس الوزراء، في عهد حكومة مصطفى الكاظمي، بشأن قضيتها، وكان الرد: «لا زلنا ننتظر».
وما زلنا ننتظر!
يا مجلس محافظة كركوك.. مكبّ النفايات ليس بعيداً عنكم، بل هو بجواركم.
وسحر ليست في كوكب آخر، بل تمرّ من أمامكم كل صباح.
اتركوا صراع المناصب ليوم واحد فقط، واذهبوا إلى مكبّ النفايات. هناك ستجدون شعب كركوك الحقيقي؛ أناساً يبيعون القدّاحات، ويجمعون العلب الفارغة، ويبحثون بين النفايات عن لقمة عيش، وينتظرون من يلتفت إلى معاناتهم، لا من يكتفي بالحديث عن خدمتهم.
هناك، بعيداً عن الكراسي والكاميرات، ستجدون الوجه الحقيقي لكركوك.. وستدركون حجم المسؤولية التي تنتظر منكم.